د. محمد علوش / خارطة الأحزاب الطائفية في لبنان

| د. محمد علوش |

في لبنان اليوم تيارات وأحزاب سياسية، أقلّ ما يقال فيها انها حكر على طوائف بعينها، ولا تكاد تحمل هموماً غيرها على خارطة لبنان الجغرافية والاجتماعية والثقافية والسياسية. قل ذلك إن شئت في «حركة أمل» الشيعية برئاسة نبيه بري، في «التيار الوطني الحر» المسيحي برئاسة ميشال عون أو «القوات اللبنانية» برئاسة سمير جعجع أو «الكتائب اللبنانية» برئاسة أمين جميل، في «الجماعة الإسلامية» السنية صرفاً أو «تيار المستقبل» برئاسة الحريري، أو حركة مجد برئاسة نجيب ميقاتي، في «الحزب التقدمي الاشتراكي» الدرزي برئاسة وليد جنبلاط أو «حزب التوحيد» برئاسة وئام وهاب، وغيرها حيث يطول المقام في ذكر جميعها.

واللافت في التوزيع الطائفي للتيارات والأحزاب السياسية اللبنانية أنه طرأ على تمددها البشري عنصر مهم منذ بضع سنوات، حيث أوغلت في الطائفية لجهة خطابها وأدائها السياسي والاجتماعي، وصارت أكثر استقطاباً وتمثيلاً للطوائف التي ولدت من رحمها، خلافاً لما كان معهوداً من عمر لبنان، إذ كانت الطائفة الواحدة تتنازعها عدة احزاب وقوى وشخصيات.

سأضرب مثالين على ما سبق، تيار المستقبل ( السني بأغلبيته)، وحزب الله ( الشيعي بكليته). لماذا اخترت الحديث عن «المستقبل» و «حزب الله» دون غيرهما من الاحزاب والتيارات السياسية القائمة في لبنان، والتي يعود انشاء بعضها الى عقود ما قبل ولادة كل من الحزبين؟

هناك رابط قوي بين «المستقبل» و «حزب الله» رغم الحقد الظاهر، والعداء المستحكم بينهما، وتسويق «المستقبل» نفسه انه تيار علماني معتدل، عابر للثقافة والدين ضمن حدود الجغرافيا اللبنانية فقط، في حين لا يحتاج الحكم على «حزب الله» مزيداً من التمعن والتمحص للقول :إنه تيار أصولي شيعي، ينتهج مذهب «ولاية الفقيه» وهو عابر للحدود اللبنانية ضمن محور ينطلق من ايران قبل أن يطوف دولاً، شرقاً وغرباً.

والحال بين «المستقبل» و «حزب الله» أشبه بالحبل السري الذي يربط الجنين بأمه، إذ ان كلا الحزبين يتغذى على أخطاء الآخر، ويتخذ منه مطية لاستقطاب المزيد من المؤيدين داخل طائفته.

وهذا لا يعتبر مدحاً ولا ذماً في كلا الحزبين بقدر ما هو توصيف لواقع حال اغفله انتشاء كل طرف بما حققه من مكتسبات في صراع يبدأ محلياً وينتهي إقليمياً.

فاليوم، لم نر تياراً جامعاً للطائفة السنية أو أغلبها مثل « المستقبل» الذي يقوده رئيس الحكومة السابق سعد الدين الحريري بعد ان اختزل التيارات والشخصيات السنية العريقة وطوى شعبيتها تحت جناحيه. الأمر عينه ينطبق على الطائفة الشيعية التي تتوحد تقريباً خلفاً حزب الله، وان كان يمثلها رسمياً نبيه بري.

ولعل الصراع المحتدم بين السنّة والشيعة، الذي انطلقت شرارته من العراق بعد الغزو الأميركي له عام 2003، أعطى زخماً كافياً لكل من حزب الله وتيار المستقبل الذي ولد عقب اغتيال رفيق الحريري عام 2005 على استقطاب شارعيهما، وتعزيز حضورهما داخل طائفتيهما.

فإذا بدأنا بحزب الله الذي بدأ حزباً مقاوماً، التف حوله كثير من اللبنانيين وتحديداً داخل الطائفة السنية، لم يستطع الصراع الدامي في العراق بين السنّة والشيعة ان ينعكس على شعبيته داخل الطائفة السنية، رغم التململ والأصوات الصادرة من هنا وهناك، حيث كان الحزب ينأى بنفسه عن الصراع المذهبي ويدعو لتوحيد بوصلة الصراع، إلا ان اغتيال رفيق الحريري عام 2005 واستماتة حزب الله في الدفاع عن الوجود السوري في لبنان وتنظيمه تظاهرة «شكراً سورية» حدّ من تعاطف الشارع السني وإن لم يلغه تماماً إلى أن اندلعت الثورة السورية، فاستمات الحزب مرة أخرى في الدفاع عن النظام السوري رغم كل المجازر، ما أحدث غضباً شديداً في الشارع السني الذي فسر موقف الحزب على أنه موقف مذهبي بغيض.

«تيار المستقبل» لم تنعكس انجازاته الحكومية، على قلتها، على شعبيته داخل الطائفة بقدر ما ساهمت مواقف حزب الله، حيث ما لبث التعاطف مع اغتيال الحريري يبرد لدى اهل السنّة حتى اشعل جوارحهم الحدث السوري الأليم ووقوف حزب الله وايران وحكومة المالكي لجانب النظام السوري. وبات من النكاية بحزب الله دعم «المستقبل» حتى من السلفيين الذين يرون العلمانية كفراً لا تقل خطورة عن المذاهب الهدامة الأخرى.

وهكذا يزداد حزب الله انحسارا داخل حدود طائفته، ويتمدد «المستقبل» ليصبح الرقم الصعب داخل طائفته، بحيث لم يعد في لبنان اعتدال، ولا جسور للعبور من طائفة الى أخرى.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا