عبدالله كمال / ... ولكن / العلمانية... والإسلام

حتى إذا تمتعت بكل الجرأة والرغبة في اجتياز الحواجز فإنني لا أستطيع أن أضع عنوان هذا الكتاب على رأس المقال، لكن إسماعيل حسني وهو باحث مصري درس إدارة الأعمال، ويعيش في الإمارات، قالها بصراحة وقدم للمكتبة العربية قبل أيام مؤلفه الذي أتوقع أن يثير جدلاً كبيراً: «علمانية الإسلام والتطرف الديني - نقد أيديولوجية شمولية الإسلام من منظور الشريعة والتاريخ وقيم الحداثة.»

كلمة العلمانية في حد ذاتها تثير «الأرتيكاريا»، وقد تؤدي إلى اتهام من يتبناها بالكفر والخروج عن الدين عند بعض غلاة التطرف، ولذا لا أخفي أنني حين أتكلم عن عدم خلط السياسة بالدين لا أستخدم هذا المصطلح الذي تم تشويه سمعته، وأتحدث عن الحياة السياسية العصرية والنظام المدني من دون أن أدخل نفسي في جدل يفسد كل القضايا حول معنى العلمانية وهل هي ضد الدين أم أنها ليست كذلك إلى غيره من الأمور.

إسماعيل حسني في هذا الكتاب الصادر عن «دار مصر المحروسة»، يرسخ فكرته حول أن «الإسلام دين علماني ولا يقبل خلط الدين بالدولة.» بل إنه يصدر مؤلفه بعبارة محددة المعنى: «العلمانية هي يد العدالة الإلهية التي تسحب غطاء الدين عن الدولة، وتجدها تقف وحيدة في العراء أمام شعوبها ليس لها ما تستر به عورتها سوى كفاءتها.» وليس من الممكن أن أناقش كل الأفكار التي أوردها كتابه في تلك المساحة المحدودة، لكنني أتوقف مبدئياً أمام الفصل الأول من الباب الرابع وعنوانه «علمانية الإسلام» وفيه يقول: «إذا كان التداخل بين الدين والدولة مفسدة وجب علينا عقلاً أن ننفي صدور هذا عن الله عز وجل. واعتبار السياسة من أمور الدين من شأنه أن يجعل حساب الحاكم أمام ربه يوم القيامة، ولو كانت هناك ثمة آية كريمة أو حديث شريف يختص بتداول السلطة لاحتج به أحد الطرفين المهاجرين والأنصار يوم اجتماع السقيفة.»

ويمنح إسماعيل حسني مساحة كبيرة لمناقشة ما قال به الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي حين أكد في القرن السابع الهجري تأكيد المصلحة على النص وقال: «أرى أن المصلحة أقوى مصادر التشريع بل هي أقوى من النص والإجماع وفي غير العبادات والمقدرات تقدم المصلحة على النص والإجماع إذا عارضتهما.»

وبغض النظر عن مضمون الكتاب الجدير بالقراءة، فإن مؤلفه في حد ذاته يمثل توجهاً فكرياً يحاول أن يتبلور في الأعوام الأخيرة في مصر توجه لا ينفصل عما سبقه من إرهاصات ثقافية متنوعة في مراحل مختلفة، بدءاً من أحمد لطفي السيد وسلامة موسى ومصطفى عبدالرازق وطه حسين وغيرهم وصولاً إلى الإنتاج الفكري للمستشار محمد سعيد العشماوي، والقيم المدنية التي يرصع بها إبداعه الثقافي الدكتور فوزي فهمي، ومقالات الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي، وأبحاث طارق حجي، ولا أغفل بالطبع الإسهام المتكامل للدكتور نصر حامد أبوزيد، وفي السويداء من هذا التيار من بين المعاصرين الدكتور رفعت السعيد رئيس «حزب التجمع».

وأحسب على هامش ذلك كله الإنتاج الفكري للراحل الدكتور فرج فودة، ومؤلفات سيد القمني وكتاباته ذات الطابع الصحافي وفي بعض الأحزاب المصرية... تحديدا «حزب الغد» و«حزب الجبهة الديموقراطية» تتناثر أصوات تكتب بعض الرؤى من حين لآخر في اتجاه ترسيخ تمسكها بالحياة السياسية المدنية التي لا توظف الدين في السياسة.

وجهة نظري أن هذا التيار يحاول أن يعيد اتزان وجوده في الساحة الفكرية المصرية، بعد أعوام من التراجع تلت فترة الإرهاب وملاحقة بعض رموزه إما بالاغتيال... فرج فودة، أو بمحاولة الاغتيال... نجيب محفوظ، أو قضائياً... نصر أبو زيد، أو بغير ذلك من سبل ترويعية وهناك محاولات متنوعة في هذا السياق لكنها لم تعبر عن اتجاه متكامل واضح تمام الوضوح.

بمعنى آخر، هناك تيار سياسي قوي يرفض مزج الدين بالسياسة، ويؤكد على القيم المدنية للدولة لاسيما بعد تعديل الدستور أخيراً، لكن الاتجاه الفكري ليس بقوة التيار السياسي، ومن ثم فإنني أعتبر كتب إسماعيل حسني إسهاماً في هذا الاتجاه.


عبدالله كمال


رئيس تحرير «روزاليوسف» ومستشار «الراي بالقاهرة». وهذا المقال ينشر بالتزامن مع جريدة «روزاليوسف» اليومية القاهرية

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا