خواطر صعلوك

المرأة الجميلة عند النهر!

تصغير
تكبير
أريد اليوم أن أشاركك هذه القصة التي جاءت على لسان شمس تبريزي في رواية «قواعد العشق الأربعين» للروائية التركية الرائعة أليف شافاك، وأنا أعلم أنه قد تم نفخك لدرجة الملل من كثرة الاستشهادات الصوفية التي انفجرت في الفترة الأخيرة كشكل ثقافي، وبديل لخطاب سلفي.

وأعدك عزيزي القارئ أن تكون القصة أقصر من أذرع اللصوص الذين أهلكوا الحرث ونفشوا في غنم القوم، باسم الدين تارة وباسم المدنية والعلمانية تارة أخرى، وباسم حقوق الشعب أحياناً وباسم القانون غالباً.


ولا أدري لماذا شهيتي مفتوحة على الثرثرة والتفلسف رغم التحذيرات بأن طول مقالاتي أكبر من أذرع اللصوص في الوطن!

لذلك سأدخل في الموضوع، تقول القصة: «كان ثمة مسافران في طريقهما من بلدة إلى بلدة، فوصلا إلى جدول ماء ارتفع منسوبه بسبب هطول أمطار غزيرة. وبينما يوشكان أن يعبرا، لاحظا امرأة على قسط من الجمال تقف وحيدة وبحاجة للمساعدة، فما كان من أحد الرجلين إلا أن أسرع من فوره وصار إلى جانبها ثم رفعها عن الأرض وحملها بين ذراعيه وعبر بها جدول الماء، وبعد أن أوصلها إلى الضفة الأخرى حياها مودعاً، ومضى الرجلان في طريقهما.

وعلى امتداد ما تبقى من الرحلة لبث المسافر الثاني صامتاً عابساً على غير عادته لا يرد حتى على أسئلة صديقه. وبعد مضي بضع ساعات على وجومه وعدم قدرته على البقاء صامتاً، قال لماذا لمست تلك المرأة ؟ كان في وسعها أن تغويك! فالرجال والنساء لا يمكنهم الملامسة على ذلك النحو»!

فما كان من صديقه الذي حمل المرأة إلا أن رد بهدوء: «يا صديقي، لقد حملت تلك المرأة وعبرت بها جدول الماء وتركتها عند الضفة الأخرى... أما أنت، فإنك لا تزال تحملها منذ ذلك الوقت»!

علق شمس تبريزي على القصة قائلاً:«بعض الناس من أمثال هذا الشخص، يحملون مخاوفهم وتعصباتهم على ظهورهم فيسحقون تحت وطأتها».

أعجبتني القصة جداً، وجلست طوال اليوم أفكر في المرأة التي حملها المسافرعلى كتفه! مطبقا للمثل القائل «المؤلف يشير للقمر والقارئ ينظر إلى إصبعه».

وفكرت أيضاً في خلافاتنا القديمة حول الخلافة، وكيف أننا لانزال نحمل تفاصيل تاريخية لم نكتبها أو نشارك فيها، كالروماني المحكوم عليه بالإعدام حاملاً الصليب طوال الطريق لينسحق تحت وطأته،إننا نحمل أداة إعدامنا بتعصباتنا.

فكرت في قواعد العشق التي قدمها شمس تبريزي، وفكرت في جلال الدين الرومي وفكرت في شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد رشيد رضا وابن عاشور والخميني والخوئي والسيد علي الأمين والمودودي وحسن البنا وابن باز والألباني والشعراوي، محاولا إيجاد صيغة إنقاذية مشتركة ننطلق منها جميعاً.

قلت في نفسي كيف سيعرف التوقيت الحقيقي من لا يملك سوى ساعة واحدة؟

فكرت في إيجاد قاعدة واحدة للعشق يتفق عليها الجميع بلا أي تفاصيل أخرى، وكيف نتجه إلى الله بلا أشخاص.

وعندما فكرت في كمية الاختلافات التي ستظهر على قاعدة من هذا النوع.

وجدت أنه من الأسهل أن أفكر في المرأة مرة أخرى...وأتساءل هل كانت جميلة حقا؟

وهل كان وجهها يسر الناظرين من الرجال أم كان جسدها يسر المعلنين من الشركات؟

وتمنيت لو كنت أنا من حملها وعبر بها النهر... ولنترك المجد لصانعي المجد.

كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي