تُعدّ مادتا وقود الطائرات ووقود السفن من أهم مصادر الطاقة في قطاع النقل العالمي، إذ تتأثران بشكل مباشر وفعلي بأي اضطرابات في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها إغلاق مضيق هرمز، لما له من أثر بالغ على حركة التجارة العالمية وحاجة الدول إلى هاتين المادتين.
وتأتي دولة الكويت في المرتبة الثانية عالمياً كمصدر لوقود الطائرات، بطاقة إنتاجية تُقدّر بنحو 345 ألف برميل يومياً، وذلك من خلال مصافيها الثلاث: الزور، والأحمدي، وميناء عبدالله. وتستند هذه المكانة إلى قدراتها التكريرية الكبيرة التي تبلغ نحو 1.2 مليون برميل يومياً. وتُصدّر الكويت معظم منتجاتها المكررة إلى الأسواق الآسيوية، لاسيما اليابان وكوريا والصين والهند، حيث تمتلك حصصاً متنامية بفضل كفاءتها التكريرية. وتمثل هذه الأسواق قيمة مضافة أعلى مقارنة بأسواق أوروبا والولايات المتحدة، نتيجة لفروق الأسعار وتوفر منافذ آمنة لتسويق منتجات مؤسسة البترول الكويتية.
وقد بدأت الكويت دخول هذه الأسواق منذ إنشاء شركة البترول الوطنية في أوائل ستينيات القرن الماضي، بمشاركة القطاع الخاص بنسبة 40 %. وتم حينها تأسيس أول مصفاة مشتركة، لتكون الأولى من نوعها بين دول الخليج النفطية ودول منظمة أوبك. وانطلقت عمليات التكرير من مصفاة الشعيبة بطاقة إنتاجية بلغت 75 ألف برميل يومياً، في خطوة هدفت إلى كسر احتكار الشركات النفطية العالمية الكبرى، التي حاولت بدورها عرقلة دخول المنتجات الكويتية إلى الأسواق التقليدية والتعامل مع عملائها.
ورغم هذه التحديات، تميزت المنتجات النفطية الكويتية بمواصفات عالية الجودة، بفضل حداثة مصفاة الشعيبة، حيث سعت الكويت إلى تحقيق التفوق من خلال إنتاج مشتقات نفطية وفق أحدث المعايير العالمية.
واتجهت الإستراتيجية التسويقية للكويت نحو الشرق، خاصة إلى باكستان والهند لتسويق المشتقات المتوسطة، نظراً لارتفاع معدلات الاستهلاك والقيمة المضافة في تلك الأسواق. كما استهدفت اليابان بمادة النفثا، التي تُعدّ مادة لقيم أساسية في صناعة الإيثيلين والبتروكيماويات، مما ساعد على ترسيخ موطئ قدم للكويت هناك، قبل التوسع لاحقاً إلى أسواق كوريا والصين، حيث اشتدت المنافسة مع الشركات النفطية الكبرى في أسواقها التقليدية.
وبالنظر إلى طبيعة النفط الخام الكويتي، وحداثة مصفاة الشعيبة، فقد كانت تنتج أكثر من 45 % من وقود الفيول أويل الثقيل، بنسبة كبريت تقارب 4 %، ويُستخدم بشكل رئيسي في توليد الكهرباء ووقود السفن.
ومن هنا بدأت شركة البترول الوطنية في تسويق وقود السفن مباشرة في مياه الخليج العربي، كمنفذ إضافي لتصريف المنتجات النفطية بأسعار تنافسية، لتكون الكويت بذلك رائدة في هذا المجال قبل أن تحذو حذوها بقية دول الخليج.
غير أن مؤسسة البترول الكويتية أوقفت لاحقاً بيع وقود السفن في البحار، تزامناً مع إغلاق مصفاة الشعيبة وتحديث المصافي الثلاث، التي أصبحت تنتج مواد مثل الفحم الكربوني المستخدم في صناعات الألمنيوم والأسمنت. وبلغت الطاقة التكريرية المحلية الإجمالية نحو 1.2 مليون برميل يومياً، إضافة إلى امتلاك الكويت حصصاً في ثلاث مصافٍ خارجية في كل من الدقم (سلطنة عُمان)، وفيتنام، وميلانو (إيطاليا)، وذلك بالشراكة مع شركات نفط وطنية.
وتجدر الإشارة إلى أن الكويت كانت سبّاقة في مجال الاستثمارات النفطية الخارجية، كما كانت من أولى الدول في تطوير صناعة التكرير محلياً ودولياً. وتُعدّ مؤسسة البترول الكويتية من أبرز الشركات الوطنية في إدارة وتشغيل المصافي، سواء داخل الكويت أو خارجها، وقد رسّخت مكانتها كإحدى الجهات الرائدة عالمياً في مجال التكرير.
كاتب ومحلل نفطي مستقل