وليد الرجيب / أصبوحة / رحيل مبدع

تصغير
تكبير
رحيل أي مبدع عن دنيانا يعد خسارة كبيرة للبشرية وفقدا لنبع من كنوز الابداع، فالأدب والفن يغترفان من واقع الحياة ثم يعيد صناعتها بابداع أكثر من الواقع نفسه وهنا أؤكد على المبدع وليس الصانع.

في يوم 7 يناير الجاري رحل الأديب المصري المبدع ابراهيم أصلان المميز بأدبه وشخصيته الفريدة وأنا نادراً ما تدهشني كتابة أدبية لصعوبة ذوقي ومزاجي الانتقائي، وأنا اؤمن دائماً أن المميز هو مميز بكل شيء، سواء بابداعه أو بشخصيته وسلوكه وحياته، والراحل ابراهيم أصلان كان أحد هؤلاء المميزين الذين لا يمكن تجاهلهم ولا يمكن تجاهل تأثير وبريق طاقتهم الايجابية.

والراحل كان زاهداً بالاعلام والظهور وكان قليل الانتاج الأدبي، بل فلنقل متأنياً في النشر على عكس كثير من الكتاب وبالأخص الشباب منهم الذين يتهافتون على النشر والظهور رغم ضحالة انتاجهم، فالأديب الواثق من نفسه لا يهمه الظهور الاعلامي أو رأي النقاد به وبأعماله ولكنه يكتب لمتعته الشخصية ولحاجته الملحة للاشباع الروحي.

عاش ابراهيم أصلان حياة بسيطة في الكيت كات بحي امبابة وهو حي شعبي ولم يكمل تعليمه النظامي وعمل «كبوسطجي» في هيئة البريد ومن خلال معايشته لواقع العمل كتب مجموعته الرائعة «وردية ليل» التي ذهلت وأخذت عند قراءتها مرات ومرات وكما قلت فانني من النادر أن أنجذب لعمل أدبي ليس لعيب في العمل ولكن لصعوبة ذائقتي.

أما رائعته «مالك الحزين» فكانت روايته الأولى كما أظن التي تفوق الوصف ببساطتها وجمالها، تلك التي حولها المخرج داود عبد السيد الى فيلم رائع بعنوان «الكيت كات» مثل بطولته بشكل مذهل محمود عبدالعزيز، وهو دور رجل كفيف لكنه مغامر ويتحدى المبصرين في سلوكه لدرجة قيادته لدراجة نارية في الأحياء المزدحمة للكيت كات، ورغم صغر حجم الرواية الا أن تأثيرها على القارئ كبير جداً، وقد نالت شهرة عربية جماهيرية واسعة، وكتب أيضاً «بحيرة المساء» «ويوسف والرداء» و«عصافير النيل» و«خلوة الغلبان» و«شيء من هذا القبيل» وغيرها.

وابراهيم أصلان الأديب التقدمي كانت علاقته وثيقة بالكاتب يحيى حقي، ويعتبر أصلان من جيل الستينات وتوفي عن عمر 77 وفي الواقع لم أكن أعلم أنه كان بهذه السن الكبيرة.

واجه أصلان مشكلة عندما نشر في مجلة المجلة حيث كان يعمل محرراً ثقافياً، نشر رواية وليمة لأعشاب البحر للكاتب السوري حيدر حيدر عام 2000 التي اعتبرها الأزهر تحدياً للدين والأخلاق، وتم التحقيق مع أصلان وتضامن معه الكثير من الأدباء والمثقفين وكانت وقتها من كبرى الأزمات الثقافية حيث قدم أصلان استقالته من المجلة.

وبينما أنا وهو أصدقاء مشتركون مثل جمال الغيطاني والقعيد وكل أدباء هذا الجيل، كما كنا نعرف بعضنا عن بعد سواء من خلال الكتابة والنشر أو من خلال الأصدقاء المشتركين، وتقابلنا مرة واحدة في مؤتمر ولكن لم تتح لي الا فرصة تبادل الابتسام من بعيد والتلويح باليد.

رحم الله ابراهيم أصلان وتعزيتنا لكل الأدباء والمبدعين العرب.





وليد الرجيب

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي