بالقلم والمسطرة

طائرة بلا مطار!

تصغير
تكبير

بعد استئناف حركة الطيران في مطار الكويت الدولي وفي ظل ما حدث من التوترات الإقليمية والعدوان الإيراني واحتمالات التصعيد العسكري المتأرجح في منطقة الخليج العربي، فإن التفكير في إنشاء مطار مدني جديد آخر في الكويت أصبح مسألة ذات بُعد إستراتيجي يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية التقليدية. وبالمناسبة فإن المطار له وضع خاص معي حيث عملت في الطيران المدني أكثر من 16 سنة، وصلت فيها لمسمى مدير إدارة الكهرباء، وكذلك رئيس قسم التحكم عن بعد أو (سكادا) وتعني الكلمة باختصار (التحكم الإشرافي الآلي لشبكة القوى الكهربائية في مطار الكويت الدولي).

وعودة إلى وضع الاعتماد على المطار الحالي كمرفق وحيد فإن ذلك يشكل نقطة ضعف إلى حد ما في حال تعرضه لهجوم أو تعطّل عملياته، وهو درس، تاريخي بعد استهدافه مراراً. لذا، فإن إنشاء مطار ثانٍ بعيد جغرافياً عن الموقع الحالي سيحقق مبدأ «توزيع المخاطر» ويضمن استمرارية العمليات الجوية سواء لنقل المدنيين أو استقبال الإمدادات أو دعم الجهود العسكرية، كما أنه يخفف الضغط التشغيلي ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة الأزمات.

ورغم أن مشروع التوسعة الحالية (T2) يوفر زيادة كبيرة في الطاقة الاستيعابية، إلا أنه لا يعالج بالكامل مشكلة الاعتماد على موقع واحد، لذلك فإن بناء مطار جديد -ولو على مراحل- يُعد استثماراً طويل الأمد في الأمن الوطني والجاهزية، خاصة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية، وعدم الاستقرار حيث لا يقتصر دور المطار على كونه منشأة خدمية بل يتحول في أوقات الأزمات إلى عنصر حاسم في الصمود واستمرارية الدعم، فالموضوع بالطبع يجب أن يُبنى على أسس فنية معتمدة في تخطيط المطارات وفق معايير إيكاو وأياتا، إذ تشير هذه المعايير إلى أن «استمرارية التشغيل تتطلب وجود بنية احتياطية قادرة على العمل عند تعطل المطار الرئيسي، وهو ما تفتقر إليه الكويت حالياً لاعتمادها الأساسي على المطار الحالي، ولذلك فإن إنشاء مطار آخر يجب أن يراعي متطلبات فنية أساسية عدة، أولها اختيار الموقع بحيث يكون على مسافة لا تقل عن 40–60 كم مثلاً لتقليل خطر الاستهداف المتزامن مع دراسة اتجاهات الرياح لضمان تشغيل آمن، وثانيها تصميم المدارج لاستيعاب الطائرات الكبيرة، وثالثها البنية التحتية المقاومة للأزمات مثل إنشاء أبراج مراقبة احتياطية، وأنظمة ملاحة مزدوجة لضمان التشغيل في الظروف الجوية السيئة، إضافة إلى الأهم وهو تحصين مرافق الوقود ومراكز التحكم جزئياً ضد الهجمات، وهو توجه مطبق في مطارات حساسة عالمياً.

كما يجب تصميم المطار وفق مفهوم بحيث يدعم الاستخدامين المدني والعسكري، مع ساحات طائرات مرنة قادرة على استقبال طائرات الشحن الثقيلة والعسكرية، وكما ينبغي ربط المطار الجديد بشبكة طرق سريعة وخط سكة حديد مستقبلي إن أمكن لضمان سرعة الإخلاء والإمداد، وهو عنصر حاسم في إدارة الكوارث.

لذا، فإن إنشاء مطار جديد في الكويت ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو مشروع سيادي إستراتيجي يساعد في المرونة التشغيلية ويضمن بقاء الدولة قادرة على العمل حتى في أسوأ السيناريوهات، ولا يلزم أن تهبط أي طائرة بلا مطار واحد فقط بل يمكن في هذا المطار أو ذاك، وهو توجه تدعمه أدبيات تخطيط المطارات الحديثة وتقارير الإيكاو، حول إدارة المخاطر واستمرارية الخدمات الحيوية، لذلك فإن اتخاذ القرار مهم ويكون مصحوباً فيه بعد النظر. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.

x@alsadhankw

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي