حروف نيرة

هل تغيّرت المرأة أم تغيّر الزمان؟

تصغير
تكبير

ليس من العدل أن نقارن بين زمنين مختلفين بمعيار واحد، ثم نبني على تلك المقارنة أحكاماً قاطعة، ومن هنا نتوقف أمام سؤال متداول على وسائل التواصل: (لماذا نجحت المرأة قديماً في بناء الأسرة، رغم أنها كانت أمية، ولم تنجح اليوم، رغم أنها جامعية ومثقفة)؟

والحقيقة أن هذا السؤال يحتاج إلى مراجعة ذهنية، قبل البحث عن إجابته؛ لأنه يقوم على تعميم لا تؤيده الوقائع. ففي الماضي كما في الحاضر أُسر نجحت في بناء حياة مستقرة وتربية أبنائها، وأخرى واجهت من التحديات والمشكلات ما أثّر في استقرارها. ومن ثم، فإن إطلاق الأحكام على جيل كامل لا ينسجم مع الإنصاف الذي تقتضيه القراءة المتأنية للواقع.

كما أن وصف المرأة في الماضي بأنها أمية يحتاج إلى شيء من الدقة؛ فالأمية تعني عدم القدرة على القراءة والكتابة، لكنها لا تعني نقصاً في الحكمة أو الخبرة أو حسن التدبير.

وفي المقابل، فإن الشهادة الجامعية دليل على التحصيل العلمي، لكنها ليست وحدها معياراً للنجاح في بناء الأسرة. فلكل من العلم والخبرة والتربية والقيم دوره في صناعة الإنسان والأسرة.

إنّ نجاح المرأة لا يرتبط بزمن معين، وإنما يرتبط بما يُتاح لها من فرص، وما تواجهه من تحديات، وما تتحمله من مسؤوليات.

ففي الماضي كانت حياة المرأة أكثر بساطة من حيث تعدد الأدوار، وكانت معايير النجاح محصورة غالباً في حسن إدارة المنزل، وتربية الأبناء، والمحافظة على تماسك الأسرة. وهي مهام عظيمة لا يُنتقص من شأنها، لكنها كانت تُمارس في إطار اجتماعي يختلف كثيراً عما نراه اليوم.

أما المرأة في العصر الحاضر، فقد اتسعت دائرة مسؤولياتها، وأصبحت مطالبة بالنجاح في ميادين متعددة في آنٍ واحد، وقد تكون موظفة أو صاحبة عمل أو باحثة أو معلمة، إضافة إلى ما فرضه تطور وسائل الحياة، واتساع آفاق التعليم، والانفتاح المعرفي والثقافي، ومسؤوليات جديدة لم تكن مألوفة في السابق. لذلك فإن الحكم عليها أو مقارنتها بامرأة عاشت في ظروف مختلفة تماماً، ليس حكماً منصفاً.

ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن بعض المظاهر السلبية قد برزت في مجتمعاتنا، كما برزت مظاهر إيجابية كثيرة. فالمرأة اليوم حققت إنجازات علمية ومهنية وإنسانية كبيرة، وهذا لا يمنع أن يقع البعض من النساء في أخطاء أو تقصير، كما يقع فيها الرجال أيضاً.

ومن الخطأ أن تُحمَّل المرأة وحدها مسؤولية التغيرات الاجتماعية أو نجاح الأسرة وتعثرها؛ فالأسرة تقوم على شراكة بين الزوجين، ينجحان معاً أو يتعثران معاً، ويتأثران بما يحيط بهما من ظروف وتحديات.

وليس من العدل أن ننظر إلى الماضي بذاكرة تنتقي أجمل صوره، ثم ننظر إلى الحاضر بعين لا ترى إلا عثراته. ففي كل عصر نماذج مشرقة تستحق التقدير، كما أن فيه نماذج أخرى لم تُوفَّق في أداء رسالتها، وتلك سُنة الحياة في البشر جميعاً.

فلا نقارن بين جيلين عاش كل منهما في ظروف مختلفة، وإنما تكون بالنظر إلى طبيعة العصر الذي عاش فيه كل منهما، وما أحاط به من تحديات وإمكانات. فالنجاح ليس صورة واحدة تتكرّر في كل زمان، بل هو القدرة على أداء الرسالة والقيام بالمسؤولية في حدود ما يتيحه الواقع من فرص وما يفرضه من تحديات.

فإن القضية ليست في المفاضلة بين امرأة الأمس وامرأة اليوم، ولا في المقارنة بين الأمية والتعليم، وإنما في تهيئة بيئة تعين الأسرة على أداء رسالتها، مهما تغيّر الزمان وتبدّلت الظروف.

aaalsenan @

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي