بعد ألف عامٍ... غرق ابن الملوّح

تصغير
تكبير

أسمعتَ آخر أخبار مجنون ليلى؟

لقد غرق.

سأقول مضى على وفاته ألف عام لكنني منذ شهورٍ وحسب داريتُ خبرَهُ حين غرق!

الآن وقد قلتُ هذا وُضع بعضٌ من الوزرِ عني، والحقيقة أن بعضه يقع عليك.

نعم لستَ تعرف من أنا، وليست هذه أفضل طريقة للتعريفِ بنفسي

أُدعى الهنوف وبإمكانك أن تقول «هنوف» حين تُسألُ «مَن أغرق قيس معك؟»

ولم يسبق لي أن أغرقتُ أحداً أو أن شاركتُ شاعراً قديراً في جريمة، وعلى حد علمي سجلّي الإنسانيّ ناصع البياض

إلى أن أتيتَ بقيسٍ من القفارِ حين لم يرق لك أن تترك رفاته المسكين على حاله ونشرتَ الطبعة الخاصة من أخبار مجنون ليلى.

صحيح أنها كُتِبت قبل أن أُولد لكنها طبعة محدودة واختفاء أحدها يفتح باباً للتساؤلات؛ لذا أُراسل حضرتك لتفكر معي بحلّ!

اعذرني فالوضعُ لا يحتمل التأخير ولو أنني راسلتك بغيرِ ظرفٍ لوجدتني أكثر كياسة.

ترددتُ أن أحضر أمسيتك الأخيرة في الكويت مع الشاعرين دخيل الخليفة ومحمد العتابي؛ لأنني وقتها لم أحسم أمري بعد وكنتُ لا أزال باهتةُ الصوت جرّاء فزعي لكن الشاعرين يعرفاني وبإمكانك سؤالهما، سيشهدان بأني لم أغرق أحداً قط ولو لم تأتِ بقيس من مرقده لما حصل كل هذا.

في الحقيقة كنتُ أبحثُ عن الأزرق المستحيل في مكتبة الكويت الوطنية؛ لأن المكتبات التجارية قد نفدت منها النسخ وكان يرافقني أحد الموظفين بينما تجلس موظفة أخرى على مكتبها تتصفح كتاباً، وحالما نطقتُ باسمك رفعت رأسها، أشارت لزميلها بالرحيل وسألتني «بمَ تحتاجينه؟» قلتُ لها أريد أن أقرأه، سألتني «هل تكتبين أطروحةً عن قاسم حداد؟»، أحسستُ بخيط ماءٍ ينزُّ على ظهري، أريدُ قراءته فحسب، ازدردتُ ريقي «لا، لكن سأكتب مقالة».

هنا تمحصتني ثم ابتسمت: «لا توجد نسخة في المكتبة لكني سآتيك بنسختي، لفتِّ انتباهي حين سألتِ عن قاسم حداد» كانت تلك عائشة د. بالتأكيد تعرفها هي كاتبة موهوبة وستكون د. عائشة يوماً ما، بإمكانك كذلك سؤالها عني. بعد أيام عدة راسلتني وأحضرت لي نسخة من الأزرق المستحيل يليه مجنون ليلى، واستعرضت الطبعة الخاصة من أخبار مجنون ليلى فلما رأت إعجابي البالغ بها أعارتني إياها مع كثيرٍ من التوصيات والإرشادات.

ثم ما حدث أننا كنا نعيد ترميم المنزل وقد أخذتُ من مكتبتي ثلاثة كتب خشيتُ أن تضيع أو أن يتلفها التخزين، فوضعتُ الكتب على مكتبي وعكفتُ على قراءتها وكان من بينها أخبار مجنون ليلى وهو الوحيد الذي رافقني طيلة أشهر البنيان، ويشهد بذلك زوجي بإمكانكم جميعاً سؤالهُ، فما كان إلا أن أمطرت بليلة ما وأيقظني خريرُ الماء فركضتُ للمكتب ووجدته غارقاً بالمطر، ناديتُ زوجي فتزحلقنا نحضر الدلاء والأطواس -بينما السقفُ كأنه لا سقفَ أصلاً- لإنقاذ ما يمكننا من الغرق، فكان من بين ما حملنا الطابعة والكمبيوتر وأخبار مجنون ليلى وشنطة لي من جلد الثعبان، لكن الإنقاذ لم يكن إنقاذاً بالمعنى الحرفيّ؛ فكل شيءٍ بعد الغرق ليس هو نفسه قبله، حتى أنا بعدها لستُ كما كنتُ، وضعتُ رأسي بين يديّ وضحكتُ ضحكةً يملؤها الفزع، هدأ روعي قليلاً حين رأيتُ الغلافَ يلفُّ قيس وليلى، لكن حين أُعيد الكتاب لصاحبته لن أستبعد أن يخبرها قيس عن نومي حين كانا يلاطمان أمواجَ الماءِ وهما اللذانِ لم يريا في حياتهما ماءً بهذه الغزارة ولا يقدران العوم، مرّت الشهورُ وخريرُ الماءِ يقضُّ مضجعي وكلما أردتُ أن أخبر عائشة، يتراءى إليّ حديثها عن زميلٍ أعارته كتاباً فلم يحافظ عليه أو حديثها عن الطبعة الخاصة التي تستعرضها للأصدقاءِ ككنز وحقّ لها أن تفعل ذلك، فأُحجم عن الاعتراف!

الآن أكتب لكَ وأنا أُمسدُّ الأوراق المتلاصقة بمنديلٍ مبلل، كلما طويتُ ورقةً لفظتْ أُختها ماءً؛

لأسألك: بالله عليك ماذا نفعل؟

• ملاحظة:

بعد إرسال هذه الرسالة إلى الشاعر البحريني قاسم حدّاد، وعدني بتعويض عائشة، المعنيّة عن النسخة المنكوبة من إصداره الخاص.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي