تشهد أسواق النفط العالمية حالة من التذبذب وعدم الاستقرار، رغم الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة التوترات السياسية والعسكرية التي تؤثر بصورة مباشرة في حركة أسعار الخام. وأصبح من الصعب، في ظل الظروف الراهنة، التنبؤ بسعر مستقر لبرميل النفط، إذ تتأرجح الأسعار بصورة حادة تبعاً لتطورات الأوضاع الأمنية والسياسية.
فقد هبط سعر البرميل في فترات سابقة إلى ما دون 70 دولاراً، قبل أن يقفز سريعاً إلى مستويات بلغت 88 و93 ثم تجاوز 104 دولارات للبرميل، نتيجة الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية في منطقة الخليج العربي، وتصاعد المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب أو توقف كامل لإمدادات النفط الآتية من الخليج، الذي يمثل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.
ورغم هذه التطورات، لم ترتفع الأسعار بالمعدل الحاد الذي كان يتوقعه كثير من المحللين، إلا أنها بقيت شديدة التقلب، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد مستوى سعري مستقر للنفط قبل التوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة بين واشنطن وطهران. فرغم جولات التفاوض المتقطعة،
ما زالت الأسواق تترقب اتفاقاً أو تفاهماً يخفف من حدة التوتر ويعيد الثقة إلى أسواق الطاقة.
وفي المقابل، بدأ المستهلك الأميركي يشعر بتداعيات ارتفاع أسعار النفط، من خلال الزيادة الملحوظة في أسعار البنزين، خاصة خلال موسم ارتفاع معدلات استخدام السيارات للذهاب في العطلات الصيفية، وهو ما يشكّل ضغطاً اقتصادياً وسياسياً على الإدارة الأميركية.
ومن النتائج المباشرة لهذه الأزمة أيضاً تراجع مستويات المخزون النفطي الإستراتيجي والتجاري في الولايات المتحدة، بعد أن اتجهت واشنطن إلى زيادة صادراتها من النفط الخام إلى أوروبا لتعويض جزء من النقص الناتج عن اضطراب الإمدادات الآتية من الخليج العربي. ومن شأن هذا التوجه أن يؤدي إلى انخفاض إضافي في احتياطيات النفط الإستراتيجية الأميركية.
ولا يحمل هذا التطور أخباراً مطمئنة لأسواق الطاقة العالمية، إذ إن استخدام المخزون النفطي الإستراتيجي لأغراض تجارية أو لتزويد أطراف خارجية يطرح تساؤلات حول الهدف الأساسي من إنشاء هذه الاحتياطيات، التي وجدت أساساً لمواجهة الأزمات والطوارئ الوطنية. كما أن هذا النهج قد يشجع دولاً أخرى على توظيف مخزوناتها الإستراتيجية لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، بدلاً من الاقتصار على دورها التقليدي كوسيلة لحماية أمن الطاقة.
وفي المقابل، قد يسهم هذا التحول في زيادة الطلب العالمي على النفط، ليس فقط لتلبية الاستهلاك، وإنما أيضاً لتعزيز الاحتياطات الإستراتيجية وتوسيع القدرات التخزينية. وقد يتجه العديد من الدول إلى استغلال فترات انخفاض الأسعار لشراء كميات كبيرة من النفط وتخزينها، سواء لضمان أمنها الطاقوي أو للاستفادة منها لاحقاً في الأنشطة التجارية.
ومن أبرز المستفيدين من هذه المتغيرات روسيا، التي نجحت في الحفاظ على مكانتها كأحد أهم موردي النفط عالمياً، واستطاعت بيع نفطها بأسعار مرتفعة نسبياً، مع فتح أسواق جديدة وزيادة صادراتها. كما وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى قبول استمرار الهند في استيراد النفط الروسي بكميات كبيرة، في ظل حاجة الأسواق إلى تنويع مصادر الإمدادات. ومع انضمام روسيا إلى تحالف «أوبك+»، تبدو فرص تحول كبار المستوردين بعيداً عن النفط الروسي محدودة في المستقبل القريب.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن أسواق النفط مقبلة على مرحلة من الاستقرار الدائم، فالأزمات الجيوسياسية ستظل عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار. وتبقى المخاوف المرتبطة بإمكانية إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل حركة الملاحة فيه، أو فرض قيود ورسوم على مرور ناقلات النفط والسفن التجارية، من أبرز مصادر القلق التي تهدد أمن الطاقة العالمي. كما أن إيجاد بدائل حقيقية لنفط الخليج يظل خياراً صعباً ومكلفاً ويحتاج إلى سنوات طويلة.
وفي الختام، فإن جميع المؤشرات تؤكد أن أسعار النفط ستبقى رهينة التطورات السياسية والأمنية، وأن الوصول إلى مستوى سعري مستقر خلال المدى القصير يبدو أمراً بالغ الصعوبة. كما أن قدرة منظمة أوبك وحدها على ضبط الأسواق لم تعد كافية كما كانت في السابق، بعدما أصبحت العوامل الجيوسياسية هي المحرك الرئيس لأسعار النفط العالمية.
كاتب ومحلل نفطي مستقل