في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، والعدوان الإيراني الشرس وهدفه الذي لا يقتصر فقط على تحقيق مكاسب عسكرية بالعدوان بل يتعداه إلى محاولة بث الخوف وإظهار القدرة الإيرانية وميليشياتها على الوصول إلى العمق الخليجي متى أرادوا، وهذا يؤكد الحقد الدفين والعلني.
وما حصل أخيراً من استهداف للمنشآت الحيوية والمدنية للكويت مثل ما يتعلق بالكهرباء والماء يؤكد ضرورة حماية تلك المنشآت، وعلى رأسها منشآت النفط والكهرباء والمياه فهي قضية تتجاوز الأمن التقليدي لتصبح جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني والدفاع عن الدولة والصمود.
وتستند هذه الحماية إلى مفهوم «الحماية متعددة الطبقات» إن جاز التعبير والذي يجمع بين التحصين المادي، والمراقبة الإلكترونية، والأمن السيبراني، وإدارة الأزمات، بهدف ضمان استمرار عمل المرافق الحيوية حتى في أصعب الظروف.
وتبدأ المنظومة بتأمين محيط المنشآت عبر أسوار ومناطق عازلة ونقاط تفتيش مزودة بأنظمة تحقق إلكترونية، إضافة إلى كاميرات حرارية وذكية وأنظمة استشعار قادرة على كشف أي محاولة تسلل أو اقتراب غير مصرح به، قبل الانتقال إلى طبقات أمنية داخلية تشمل التحكم في الدخول وفق مبدأ «الحد الأدنى من الصلاحيات»، بحيث لا يتمكن أي موظف أو متعاقد من الوصول إلا إلى المواقع المرتبطة بمهامه الوظيفية، مع تسجيل جميع عمليات الدخول والخروج إلكترونياً.
وفي قلب هذه المنشآت، غرف التحكم وأنظمة التشغيل الصناعية (SCADA) وهي تعني ببساطة بالتحكم الإشرافي وجمع البيانات. وشخصياً عملت في هذا التخصص عندما كنت أعمل بالطيران المدني لمدة حوالي 16 سنة، وأدرك أهميته وتدربت في عدد من الدول منها السويد وألمانيا، وزرت غرف التحكم المشابهة مثل دبلن في أيرلندا. لذلك فهو العنصر الأكثر حساسية، إذ تُدار من خلالها عمليات إنتاج النفط وتوليد الكهرباء وتشغيل شبكات الطاقة، ولذلك تُحمى بعزل شبكاتها عن الإنترنت قدر الإمكان، وتطبيق ضوابط أمن سيبراني متقدمة، ومراقبتها المستمرة وفق معايير دولية مثل إطار الأمن السيبراني الصادر عن المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتقنية (NIST) وسلسلة معايير IEC 62443 الخاصة بأمن أنظمة التحكم الصناعية.
ومع تصاعد مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة، أصبحت خطط حماية المنشآت الحيوية تشمل أيضاً مفهوم المرونة التشغيلية وليس فقط منع الاستهداف. ويعني ذلك تجهيز مرافق احتياطية، وتأمين مصادر بديلة للطاقة والاتصالات، ووجود مراكز قيادة وسيطرة تعمل على مدار الساعة لتنسيق الاستجابة بين الجهات العسكرية والأمنية والمدنية، إلى جانب خطط لاستمرارية الأعمال والتعافي السريع من أي أضرار محتملة.
كما تشير التجارب الدولية إلى أن حماية البنية التحتية من الهجمات الجوية تعتمد على منظومة متكاملة تشمل الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والتحصين الهندسي الحديدي للمرافق الحيوية، وسرعة الاستجابة للطوارئ، أكثر من اعتمادها على وسيلة دفاع واحدة.
وقد أظهرت الأحداث الإقليمية الأخيرة أن الكويت فعّلت إجراءات الدفاع الجوي والدفاع المدني وأصدرت تنبيهات رسمية خلال حوادث تضمنت اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة، في إطار رفع الجاهزية وحماية السكان والمنشآت الحيوية.
وفي هذا السياق، تبقى التفاصيل التشغيلية الدقيقة المتعلقة بانتشار وسائل الدفاع، وخطط الحماية، وآليات الاستجابة العسكرية غير معلنة بالطبع بطبيعتها، وحفاظاً على الأمن الوطني، ندرك ونقدر أن الدولة لديها الحرص وتعمل في تطوير منظومة حماية بنيتها التحتية الحيوية لمواكبة المخاطر التقليدية والحديثة، والأهم تفعيل الحماية متعددة الطبقات كما ذكرت لتلافي الأخطار المتلاحقة.
والله عزوجل المعين في كل الأحوال.
X@alsadhankw