مُذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية... بين وعد فرساي والخيبة

من الضربات الأميركية على طهران
من الضربات الأميركية على طهران
تصغير
تكبير

- إسرائيل خارج الحدث... إستراتيجية الإبعاد المُتعمّد
- سيناريو «لا حرب ولا سلم»... الجمود الإستراتيجي في المُواجهة الأميركية الإيرانية

على وقع الإيقاع الثقيل للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، وقف العالم مشدوهاً أمام مشهد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرة تفاهم في قاعة المرايا بقصر فرساي في 15 يونيو. لم تكن تلك الوثيقة، كما وصفتها مصادر إسرائيلية وأميركية متطابقة، أكثر من «هدنة موقتة» و«اتفاق لتأجيل الخلافات»... واعتراف ضمني من الطرفين بأنهما غير قادرين على مواصلة الحرب، وغير راغبين في تحقيق السلام.

لكن بعد أكثر من مئة يوم على اندلاع الحرب، يجد الطرفان نفسيهما عالقين في منطقة رمادية خطيرة، بين الحرب والسلام، في مشهد يُذكّر بأسوأ فترات الحرب الباردة التي جمعت بين التهديد النووي المتبادل والصراعات بالوكالة. وما تلا التوقيع من 60 يوماً لم يكن أكثر من تأكيد على أن المنطقة دخلت دائرة مغلقة من الجمود الإستراتيجي، وصفها المحللون بأنها «لا حرب ولا سلم»، في انتظار كسر هذه الدائرة بقوة لا تلوح في الأفق بعد.

صراع النفوذ في طهران

في تحليل معمق للواقع الإيراني الداخلي، يقدم تسفي برئيل، الكاتب البارز في صحيفة «هآرتس»، صورة لأنقاض النظام الإيراني بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول للحرب. فما يحدث في طهران ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل صراع نفوذ حاد بين أقطاب النظام، يكشف عن نظام يتخبط في فراغ قيادي غير مسبوق.

يستشهد برئيل بخطاب محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، الذي دعا إلى «الوحدة والتزامن» و«طاعة القيادة»، محذراً من «الأصوات التي تسعى إلى بث الفرقة والخوف».

هذا الخطاب، بحسب برئيل، لا يخفي حقيقة مؤلمة: هناك صراعات علنية منذ أسابيع بين الجناح الراديكالي المعارض للمفاوضات مع الولايات المتحدة، وبين الجهات الساعية للعودة إلى طاولة الحوار، بمن فيهم قاليباف نفسه.

ويطرح برئيل سؤالاً محورياً يلخص أزمة النظام: «أين مجتبى خامنئي الذي يتحدث قاليباف باسمه"؟، مشيراً إلى أن كلاً من خصومه وأنصاره يستخدمون اسم المرشد لتأكيد صحة مواقفهم، في مشهد يعكس غياباً واضحاً لسلطة مركزية قادرة على فرض إرادتها. هذا الغموض في عملية صنع القرار، بحسب برئيل، له آثار عملية على الأرض، حيث تملي الخلافات والمنافسات السياسية تطورات التصعيد بدلاً من الرؤية الإستراتيجية الموحدة.

وفي قراءته للتهديدات الجديدة، يُحذّر من أن إيران تُهدّد الآن بإغلاق مضيق باب المندب، قبالة سواحل اليمن، عبر الحوثيين، كخطوة تصعيدية جديدة إذا شنت الولايات المتحدة هجمات على منشآت الطاقة الإيرانية - مما ينذر بتوسيع رقعة الصراع إلى مسارح جديدة.

استئناف التخصيب وارد

في تحليل نشرته «معاريف»، يرى ألون بن دافيد أن الموقف الإيراني في وجه الهجمات الأميركية اليومية يخفي أزمة اقتصادية عميقة وصراعاً سياسياً حاداً، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن إيران ليست واهنة كما قد يبدو.

ويصف بن دافيد كيف أن جنازة خامنئي كشفت عن صراع النفوذ بين رجال النظام القديم والجناح المتطرف في الحرس الثوري، في مشهد يعكس انقساماً عميقاً في أسرار صنع القرار.

ويشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية تجد صعوبة بالغة في رسم تسلسل اتخاذ القرارات بعد الحرب، ففي غياب شخصية مركزية كخامنئي، أصبح من غير الواضح من يقرر ماذا. ويستثني من ذلك المجال العسكري، حيث القرار بيد أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري، الذي يرى في السيطرة على مضيق هرمز «إنجازاً لا نية للمساومة عليه»، مما يجعل الملف العسكري بمنأى عن الفوضى السياسية في طهران.

ويخلص بن دافيد إلى نتيجة مقلقة: إيران تستصعب الصمود طويلاً تحت العقوبات والاحتكاك العسكري المستمر، ولكنها في الوقت نفسه تعيد بناء قدراتها الصاروخية والدفاعية بوتيرة متسارعة.

ويطرح سؤالاً يبقى معلقاً كسيف فوق رقاب الجميع: هل استأنفت طهران عمل «مجموعة السلاح» المسؤولة عن تطوير السلاح النووي؟ ويقر بأنه «لا توجد أدلة على ذلك، لكن أحداً لن يتعهد بأن هذا لا يجري منذ الآن في الخفاء» - في إشارة إلى أن الخطر النووي لم يزل، بل ربما عاد بقوة تحت غطاء الفوضى.

إسرائيل خارج الحدث

يقدم ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، في صحيفة «يديعوت أحرونوت» قراءة مختلفة، مؤكداً أن طهران تُبقي عمداً التوتر حول مضيق هرمز، محولة إياه إلى محور الصراع مع تهميش الملف النووي – في خطوة ذكية لإعادة تعريف طبيعة الصراع وفقاً لنقاط قوتها.

ويستشهد ميلشتاين بقول محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى: «هرمز أهم من عشرات القنابل الذرية»، في تأكيد على تحول الأولويات الإيرانية نحو الابتزاز الجيو اقتصادي بدلاً من السباق النووي.

ويضيف ميلشتاين نقلاً عن داني سيترينوفيتش، الخبير في الشأن الإيراني: «تُقدّم هذه المناوشات لمحة مثيرة عن صنع القرار في النظام القديم الجديد، حيث يلعب الحرس الثوري دوراً مهيمناً، ولا يملك المرشد الأعلى الكلمة الفصل»... مشهد يعكس تغيراً جوهرياً في بنية السلطة الإيرانية.

ويشير ميلشتاين إلى أن الفضيحة التي انكشفت حول اتصالات جهاز "الموساد" بالرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد للإطاحة بالنظام القائم، تعكس «نقصاً حاداً في فهم طبيعة الآخر»، وهو مشكلة جوهرية ظهرت في 7 أكتوبر 2023 وما زالت قائمة - مما يشير إلى أن إسرائيل لا تزال تدفع ثمن سوء تقديرها الإستراتيجي.

ويؤكد سيترينوفيتش، نقلاً عن ميلشتاين، «على عكس خامنئي الأب، الذي أبدى حذراً شديداً في هذا الشأن، من المرجح أن تُقدم القيادة الحالية على مزيد من المخاطر وأن تنظر في إمكانية التقدم نحو امتلاك أسلحة نووية» - وهو تحذير يضع العالم أمام احتمال جديد: نظام إيراني أكثر جرأة وأقل توقعاً.

جبل الفأس

ويبرز في التحليل الأميركي التركيز على «جبل الفأس»، وهي منشأة سرية محفورة على عمق 100 متر في جبل من الغرانيت بالقرب من موقع تخصيب اليورانيوم في ناتانز. ولم تستهدف هذه المنشأة في حملات 2025 - 2026، ولم يزرها مفتشون دوليون قط – مما يجعلها لغزاً يثير القلق.

وقد صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن «الموقع هدف محتمل لضربة قوية وكبيرة... سنُدمّر جبل الفأس، على الأرجح قريباً»، مما يشير إلى أن الملف النووي لا يزال حاضراً بقوة في حسابات واشنطن، رغم محاولة إيران تهميشه وتحويل الانتباه نحو مضيق هرمز.

هذا التصريح يكشف عن فجوة إستراتيجية بين الرؤيتين: إيران تريد تحويل الصراع إلى معركة اقتصادية في المضيق، وأميركا تصر على إبقاء الملف النووي في صدارة الأولويات.

السيناريوهات المتوقعة... 60 يوماً من الجمود

تجمع التحليلات الإسرائيلية والأميركية على سيناريو رئيسي واحد للمرحلة الراهنة، هو سيناريو «لا حرب ولا سلم»، مع احتمالات متعددة لتطوره. وبينما تتفق المصادر على أن مذكرة التفاهم لم تكن أكثر من «مسكن ألم» موقت، تختلف في تقدير مآلات هذا الجمود.

1 - سيناريو «الجمود الممدد»... الأكثر ترجيحاً

يتفق المحللون الإسرائيليون والأميركيون على أن الستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم ليست كافية لحل عقود من الخلافات، وأنها مجرد «مهلة سياسية» قد تمتد إلى ما بعد انتخابات منتصف الولاية الأميركية في نوفمبر 2026.

ويشير تقرير معهد الخدمات الملكية المتحدة (RUSI) إلى أن هذا السيناريو يحمل خطراً أكبر من الحرب الشاملة: «الجمود الدبلوماسي الدائم» حيث يصبح «لا حرب ولا سلم» واقعاً جديداً في المنطقة.

ويؤكد بن دافيد أن هذا الوضع سيمتد إلى ما بعد الـ60 يوماً وإلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، وأن التخوف من استئناف الحرب سيرافق الجميع حتى ذلك الحين، في مشهد يذكرنا بأسوأ فترات الجمود في الصراعات المزمنة.

2 - سيناريو التصعيد المحدود... تبادل الضربات مستمر

وفق تحليل موقع «ذي أتلانتيك» الأميركي، فإن بنداً واحداً من مذكرة التفاهم لم يُنتهك حتى الآن: بند الاستمرار في الحديث. أما باقي البنود، بما فيها وقف العمليات العسكرية ورفع الحصار، فقد انتهكت مراراً. ويصف التقرير الوضع بأن الولايات المتحدة وإيران «ظلتا في حالة حرب فعلياً منذ التوقيع» - مما يعني أن الهدنة كانت مجرد واجهة لاستمرار الصراع بأشكال أخرى.

3 - سيناريو التدخل الإسرائيلي... عامل التصعيد الأكبر

تشير المصادر إلى أن إسرائيل، التي لم تكن طرفاً في المذكرة، تشكل العامل الأكثر اضطراباً في المعادلة. فإسرائيل ترى في أي اتفاق يمنح إيران «مساحة للتنفس» خسارة إستراتيجية، ويتوقع محللون استمرار الضربات الإسرائيلية على أهداف لحزب الله في لبنان، في محاولة لجر واشنطن مجدداً إلى المواجهة.

وتتفق المصادر الإسرائيلية والأميركية على أن إيران تُبقي إسرائيل بعيداً عن دائرة الاستهداف المباشر، إدراكاً منها أن الهجوم على إسرائيل سيؤدي إلى رد أكبر يكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة - مما يخلق توازناً هشاً من الردع المتبادل غير المعلن.

قراءة في التحولات الإستراتيجية...

في تحليل عميق، يربط أفنر بن زاكين، الكاتب في هآرتس، بين صعود بنيامين نتنياهو الطويل للحكم وبين عصر الهيمنة الأميركية أحادية القطب.

ويقول: «في مثل هذا العالم كانت أهم صفة لرئيس الحكومة الإسرائيلي هي القدرة على العمل أمام واشنطن. نشأ نتنياهو في أميركا وأتقن لغتها وعرف ثقافتها السياسية معرفة كاملة»، مشيراً إلى أن براعة نتنياهو السياسية كانت انعكاساً لعالم لم يعد موجوداً.

ويضيف بن زاكين أن الحرب أظهرت أن أميركا لم تعد تملك هامش المناورة الذي تمتعت به لثلاثة عقود. ويستشهد بروبرت كاغان، المفكر المحافظ الجديد، الذي كتب في «ذي أتلانتيك» بعد الحرب مقالاً بعنوان «اجتماع بشأن إيران»، معتبراً أن هذا «اعتراف من أحد أبرز دعاة مفهوم الهيمنة الأميركية بأن حقبة القطب الواحد انتهت».

ويخلص إلى نتيجة محورية: «الظروف التي جعلت نتنياهو الزعيم الأفضل لم تعد قائمة... لقد تغير المناخ العالمي مثلما هي الحال في الطبيعة»، في إشارة إلى أن التحولات الإستراتيجية الكبرى تعيد تشكيل قواعد اللعبة برمتها، وتجعل الأدوات السياسية القديمة غير صالحة للعصر الجديد.

نحو أفق مسدود أم انفجار قادم؟

تتفق المصادر الإسرائيلية والأميركية والدولية على أن مذكرة التفاهم الحالية ليست حلاً، بل مجرد «مسكن ألم» موقت، وضماد على جراح لا تزال تنزف. فالطرفان عالقان في لعبة شطرنج معقدة، حيث لا يريد أي منهما العودة إلى حرب شاملة، ولكن لا يستطيع أيّ منهما أيضاً تقديم تنازلات جوهرية تحقّق السلام الحقيقي.

إيران، التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة وصراع داخلي على النفوذ، تحاول استغلال الوقت لإعادة بناء قدراتها وترسيخ سيطرتها على مضيق هرمز، مع إبقاء إسرائيل خارج دائرة الصراع المباشر.

أما الولايات المتحدة، فتحاول الخروج من المستنقع الإيراني بتكلفة سياسية مقبولة، لكنها تجد نفسها محاصرة بين تهديدات ترامب المتقلبة، وضغوط الحلفاء، وإصرار إسرائيل على عدم قبول أي اتفاق لا يقضي على البرنامج النووي الإيراني.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي