تعزيز الوجود العسكري الأميركي في إسرائيل استعداداً لتوسيع الهجمات
- طائرات التزود بالوقود الأميركية ترسم ملامح حرب أوسع
- تأجيل زيارة نتنياهو يعكس شرخاً إستراتيجياً مع واشنطن
في تطور عسكري يحمل دلالات إستراتيجية عميقة، كشفت مصادر أميركية وإسرائيلية عن تحركات لوجستية ضخمة تقودها واشنطن في سماء الشرق الأوسط، تمهيداً لمرحلة جديدة من المواجهة مع إيران.
فمع اقتراب الضوء الأخضر من الرئيس دونالد ترامب لتوسيع رقعة العمليات العسكرية، برزت طائرات التزود بالوقود كعنصر حاسم لا غنى عنه في المعادلة العسكرية، إذ تشكل العمود الفقري الذي يمنح الطائرات الأميركية والإسرائيلية القدرة على اختراق الأجواء الإيرانية بعمق، وتنفيذ ضربات بعيدة المدى كانت تستعصي في السابق.
ففي خطوة تعكس الاستعداد لتوسيع نطاق الحرب، أبلغت إدارة ترامب، إسرائيل بنشر عشرات الطائرات الإضافية المخصصة للتزود الجوي في قاعدتي بن غوريون ورامون، في محاولة لاستعادة كثافة الأسطول التي كانت عليها خلال الموجة الأولى من الضربات في 28 فبراير الماضي، حيث بلغ العدد نحو 75 طائرة. ويعكس هذا التحرك إدراكاً أميركياً عميقاً بأهمية هذه الطائرات في إدامة العمليات الهجومية، وإطالة زمن بقاء الطائرات المهاجمة في الأجواء المعادية، وهو ما يمنح القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية تفوقاً تشغيلياً كبيراً في استهداف أعماق إيران.
لكن هذا الوجود المتصاعد أثار أزمة ازدحام غير مسبوقة في مطار بن غوريون، ما دفع وزيرة المواصلات الإسرائيلية للضغط لتقليص العدد، في موقف كشف تناقضاً حاداً بين الاحتياجات العملياتية للجيش والضغوط المدنية، تاركاً القرار المصيري بيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ومن غرفة العمليات الأميركية، خرجت خطط عسكرية جديدة تجاوزت النطاق المحدود للضربات السابقة حول مضيق هرمز، لتشمل خيارات أكثر جرأة (ايران فاشلة، عسكرياً وإدارياً)؛ منها قصف البنية التحتية الحيوية كمحطات الكهرباء، وتوسيع ضربات المنشآت النووية بهدف دفن مخزون اليورانيوم في أعماق أكبر، واستهداف موقع «جوفي» المشتبه به كمنشأة نووية تحت الإنشاء.
وفي موازاة ذلك، واصلت الطائرات الأميركية حملة القصف الليلي للمرة السابعة على التوالي، مستهدفة سبعة جسور إستراتيجية في محيط بندر عباس، بهدف شل حركة إمدادات الحرس الثوري، كما طالت الغارات السكك الحديدية ومطار إيران شهر، ما يعكس نية ممنهجة لتفكيك القدرات اللوجستية الإيرانية.
لكن الأكثر إثارة للدهشة هو ما كشفته هذه الاستعدادات العسكرية من شرخ عميق في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وصل إلى حد اتهام مسؤولين أميركيين كبار لحكومة نتنياهو بمحاولة تقويض سياسات الإدارة. ففي تطور دراماتيكي، تأجلت الزيارة التي كان مقرراً لنتنياهو، إلى واشنطن، في إشارة واضحة إلى برود غير مسبوق في العلاقة؛ حيث أفادت المصادر أن البيت الأبيض لم يجد أي موعد لرئيس الوزراء الإسرائيلي في جدول أعمال ترامب، مخافة أن تتحول الزيارة إلى إهانة علنية مماثلة لما حدث مع الرئيس الأوكراني سابقاً.
ويكشف الغضب الأميركي عن أسباب أعمق، حيث بلغت حدة التوتر ذروتها بتصريحات ترامب، الذي عبّر عن استيائه الشديد من محاولة نتنياهو، التدخل في صفقة أسلحة أميركية مع تركيا، معتبراً أن لا حق لإسرائيل في تقويض التفوق الجوي الأميركي. كما انضم نائب الرئيس جي دي فانس، إلى حملة الانتقادات، متّهماً حكومة نتنياهو، بالسعي لإطالة أمد الحرب بهدف عرقلة الجهود الدبلوماسية الأميركية، واصفاً نتنياهو، بأنه أصبح «شخصاً غير شعبي» في واشنطن.
ولعل المؤشر الأكثر خطورة على تحول المشهد السياسي في الولايات المتحدة، هو تآكل الدعم التقليدي لإسرائيل في الكونغرس؛ ففي لحظة فارقة، وافق ما يقرب من نصف النواب الديمقراطيين (103 من 212) على تعديل لتجميد المساعدات العسكرية البالغة 3.3 مليار دولار، وسط انقسام قيادي كبير أظهرته تصريحات كل من نانسي بيلوسي وكاثرين كلارك، اللتين وصفّتا الوضع بأنه «غير مقبول» وضرورة ألا تتحول المساعدات إلى «شيك على بياض» لدولة لا تلتزم بالقيم الأميركية.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في الرأي العام، حيث تشير استطلاعات «بيو» إلى أن 60 % من الأميركيين ينظرون بإيجابية أقل تجاه إسرائيل، ويفقد 59 % منهم الثقة في نتنياهو.
تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق خطير، حيث تتضاعف الاستعدادات العسكرية الأميركية في سماء إسرائيل، معززة بطائرات التزود بالوقود التي تحول البحر المتوسط إلى منصة انطلاق لمقاتلات بعيدة المدى، في مشهد يعكس نية واضحة لتوسيع الحرب.
لكن في المقابل، تكشف الأوساط السياسية الأميركية عن أزمة ثقة غير مسبوقة مع قيادة نتنياهو، ما يلقي بظلاله على مستقبل التحالف الإستراتيجي بين البلدين، ويضع إسرائيل في مواجهة عزوف أميركي مزدوج؛ شعبي ورسمي، قد يعيد رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.