واشنطن توسع نطاق الحرب للسيطرة على مضيق هرمز

صورة من الجو لمضيق هرمز
صورة من الجو لمضيق هرمز
تصغير
تكبير

- المواجهات الأميركية
- الإيرانية تُجمد مذكرة التفاهم.. دون مستوى الحرب المعلنة
- واشنطن تضغط عسكرياً ودبلوماسياً لإجبار طهران على إعادة فتح هرمز
- ترامب اختار التصعيد ضد إيران وجزرها وموانئها بدلاً من المفاوضات
- عزل بندرعباس هدف عملياتي أميركي حيوي لكسر الدعم اللوجستي البحري للحرس
- الحملة الأميركية محاولة لعزل وإضعاف المجمع العسكري في بندرعباس وهرمز
- واشنطن تستهدف إضعاف البنية التحتية البحرية الجنوبية البديلة لإيران على طول بحر عُمان

يبدو أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، قد جُمدت فعلياً، ما يفتح المجال واسعاً أمام مزيد من التصعيد العسكري. لقد تطورت المواجهة لتجاوز مجرد تبادل محدود لإطلاق النار، وإن كان دون مستوى الحرب المعلنة.

ويبدو أن واشنطن تجمع بين الضغط العسكري المستمر والدبلوماسية القسرية، سعياً لإجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة المفاوضات. وفي المقابل، تصر طهران باستمرار على أن إعادة فتح المضيق مرهونة بتسوية أوسع نطاقاً، تشمل وقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، والتعويض عن أضرار الحرب، وتنفيذ البنود الأوسع لمذكرة التفاهم.

ولاتزال هذه المواقف متباعدة جوهرياً، ما يترك حيزاً دبلوماسياً ضئيلاً للتوصل إلى تسوية وسطية. وبدلاً من العودة الفورية للمفاوضات، اختار الرئيس دونالد ترامب، تكثيف الضغط العسكري عبر موجات متتالية من الضربات التي تستهدف الساحل الجنوبي لإيران وجزرها وموانئها وبنيتها التحتية العسكرية.

وتشير الهجمات الأميركية الأخيرة على جنوب إيران إلى مرحلة أكثر أهمية وتأثيراً في الحملة؛ فما بدأ كضربات استهدفت الصواريخ والطائرات المسيرة والأصول البحرية، بات يستهدف بشكل متزايد البنية التحتية التي تدعم الوجود العسكري الإيراني حول مضيق هرمز.

ويبدو أن الهدف الناشئ يتمثل في عزل «بندر عباس» عملياتياً؛ وهي المدينة التي تضم الميناء التجاري الرئيسي لإيران، وأهم مركز قيادة بحرية في الجنوب، والمحور اللوجستي الداعم لكل من البحرية الإيرانية النظامية والقوة البحرية التابعة للحرس الثوري في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

طالت الضربات الأميركية عدة جسور في محافظة هرمزغان، ومحطة للسكك الحديدية في بندر خمير، ومطار إيرانشهر الواقع إلى الشرق. كما شملت الهجمات جزيرة قشم وأهدافاً عسكرية بالقرب من بندرعباس. ووصفت البيانات العسكرية الأميركية عشرات الأهداف التي تم ضربها، بما في ذلك مواقع المراقبة الساحلية، وأنظمة الدفاع الجوي، والمنشآت البحرية، والبنية التحتية اللوجستية.

ويشير هذا النمط إلى حملة آخذة في التوسع، لا تستهدف الأسلحة فحسب، بل تطال أيضاً الشبكات التي تدعمها وتضمن فاعليتها.

وعليه، لم يكن التطور الأهم من الناحية الاستراتيجية هو تدمير منصة إطلاق صواريخ أو قطعة بحرية أخرى، بل كان يتمثل في الهجوم على الطرق والجسور وخطوط السكك الحديدية التي تربط «بندر عباس» والساحل المحيط بها بالعمق الإيراني.

قطع الممر الجنوبي

أفادت التقارير بتعرض جسر كاهورستان - وهو أحد المداخل الرئيسية المؤدية إلى بندرعباس - للضرب، إلى جانب جسور أخرى ومنشآت نقل تقع في محيط «بندر خمير». أعقب ذلك إغلاق للطرق، كما تضررت البنية التحتية للسكك الحديدية والاتصالات والكهرباء.

تقع مدينة بندرخمير غرب بندر باس على طول الطريق الساحلي المؤدي إلى بندر لنجة. ومن شأن توجيه ضربات للجسور ومرافق السكك الحديدية هناك أن يعطل حركة التنقل على طول ساحل محافظة هرمزغان، ويعقّد عمليات نقل الوقود والذخيرة وقطع الغيار والأفراد.

ولا تعني هذه الهجمات أن بندرعباس قد أُغلقت تماماً؛ إذ لاتزال إيران تمتلك طرقاً بديلة ومسارات محلية وقدرات على الإصلاح. ومع ذلك، فإن الضربات المتزامنة تجبر الحركة العسكرية على استخدام عدد أقل من الممرات، مما يزيد من فترات التأخير ويجعل مراقبة المسارات المتبقية أسهل.

من الناحية العملياتية، يُعد هذا «عملاً اعتراضياً» (interdiction)؛ فبدلاً من تدمير كل وحدة عسكرية بشكل مباشر، يقوم المهاجم بإلحاق الضرر بأنظمة النقل والاتصالات والإمداد التي تتيح لتلك القوات التحرك وإعادة التزود بالمؤن وإصلاح المعدات والعودة إلى القتال. وبناءً على ذلك، تبدو الهجمات على الجسور متعمدة وليست عرضية؛ فهي تمثل توسيعاً لنطاق الأهداف ليشمل -إلى جانب أنظمة الأسلحة الفردية- الشبكة المادية التي تدعم الوجود العسكري البحري والساحلي لإيران.

أهمية بندرعباس

تقع بندرعباس على مسافة تتراوح تقريباً بين 60 و70 كيلومتراً شمال أضيق نقطة في مضيق هرمز. وتستمد المدينة أهميتها من تركز المهام العسكرية والتجارية واللوجستية فيها وفي محيطها.

تُعد المدينة المقر الرئيسي الجنوبي للبحرية الإيرانية التقليدية، كما تضم ​​منشآت بحرية رئيسية تابعة للحرس الثوري. ويستخدم كلا الطرفين المنطقة لقيادة العمليات، وصيانة السفن، وتنسيق الأنشطة العسكرية في أنحاء الخليج ومضيق هرمز.

وتؤدي القوتان البحريتان مهاماً مختلفة ولكنها متداخلة؛ إذ تشغّل البحرية التقليدية سفناً سطحية وغواصات أكبر حجماً، بينما يتخصص الحرس الثوري في حرب السواحل الموزعة، والزوارق السريعة، والألغام، والصواريخ، والطائرات المسيرة، وتكتيكات «أسراب الهجوم».

وتوفر الجغرافيا المحيطة ظروفاً مواتية للغاية لهذا النوع من الحروب؛ إذ تطل جزر قشم وهرمز ولارك على ممرات الملاحة، مما يتيح للصواريخ والرادارات والطائرات المسيرة والزوارق الصغيرة -المنتشرة على طول الساحل- مراقبة حركة الملاحة البحرية أو تهديدها. لذا، لا ينبغي النظر إلى«بندر عباس»على أنها مجرد ميناء؛ فهي تمثل مركزاً لمنظومة عسكرية أوسع تغطي المداخل الشمالية لمضيق هرمز وتدعم العمليات الإيرانية في المياه المحيطة.

استهدفت هجمات أميركية سابقة محطات التحكم في الطائرات المسيرة، ومواقع ساحلية، ومنشآت بحرية، وقدرات بحرية في محيط بندرعباس وقشم وبندر لنجة وكونغ والقواعد القريبة منها. وتضيف الضربات الأخيرة التي استهدفت الجسور وخطوط السكك الحديدية ضغطاً لوجستياً مستمراً على تلك الحملة.

البوابة التجارية لإيران

تتمتع بندرعباس بأهمية اقتصادية مماثلة؛ إذ يُعد مجمع ميناء«الشهيد رجائي» -الواقع غرب المدينة- أكبر ميناء للحاويات في إيران، ويتولى مناولة معظم تجارة الحاويات في البلاد عبر شبكة مترابطة من المستودعات والطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية الداخلية. وبالتالي، فإن أي تعطيل مستمر للمنافذ المؤدية إلى «بندر عباس» سيؤثر على ما هو أبعد بكثير من مجرد العمليات البحرية؛ فالشحنات العسكرية، والواردات المدنية، والمكونات الصناعية، والمواد الغذائية، والمركبات، والسلع الاستهلاكية، تعتمد جميعها على الميناء وشبكة النقل المرتبطة به.

وحتى لو ظلت منشآت الميناء سليمة، فإن تضرر الجسور أو خطوط السكك الحديدية أو أنظمة الاتصالات أو إمدادات الكهرباء قد يؤدي إلى إبطاء حركة البضائع نحو الداخل، وخلق تكدس في المحطات، وتقويض الموثوقية التجارية للميناء.

لا تحتاج واشنطن إلى تدمير كل رافعة أو إغراق كل سفينة لتعطيل عمل الميناء؛ إذ تتراجع جدوى الميناء تدريجياً عندما يصبح الوصول إليه غير آمن، وتكون عمليات النقل غير موثوقة، وتتعرض البنية التحتية الداعمة لانقطاعات متكررة.

ويتفاقم هذا الضغط بفعل الحصار الأميركي المتجدد على الموانئ الإيرانية، والذي يضيف إجراءات الاعتراض البحري إلى حالة التعطيل المفروضة بالفعل على الطرق والسكك الحديدية والمنشآت الساحلية وشبكات الكهرباء والبنية التحتية للاتصالات في أنحاء جنوب إيران.

العزل براً وبحراً

فرضت إيران قيوداً على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، في حين أعادت الولايات المتحدة فرض حصار على الموانئ الإيرانية. وقد صعدت القوات الأميركية على متن ناقلة واحدة على الأقل في خليج عمان خلال عمليات فرض الحصار.

يخلق الجمع بين الغارات الجوية والاعتراض البحري ضغطاً من اتجاهين؛ فعلى الصعيد البري، تتعرض الجسور والطرق والسكك الحديدية والمرافق اللوجستية للهجوم، بينما تواجه السفن في البحر عمليات اعتراض أو تغيير للمسار أو صعود القوات عليها.

وفي الوقت نفسه، تشن القوات الأميركية ضربات تستهدف الأنظمة التي تستخدمها إيران لمراقبة المضيق والسيطرة عليه، بما في ذلك الرادارات، ومواقع المراقبة الساحلية، ومنشآت الطائرات المسيرة، والمرافق البحرية، ومواقع الدفاع الجوي.

ولا يرقى هذا الوضع بعدُ إلى مستوى العزل التام؛ إذ لاتزال إيران تحتفظ بطرق برية وموانئ أصغر وقوافل متفرقة وقدرات على الإصلاح والصيانة. كما قد تنجح بعض السفن في الإفلات من محاولات فرض الحصار أو مقاومتها أو تحديها. ومع ذلك، فإن مسار الحملة يزداد وضوحاً. تسعى واشنطن إلى فصل القوات الإيرانية الساحلية عن العمق اللوجستي للبر الرئيسي، مع تقييد وصولها الآمن إلى البحر.

تشابهار وإيرانشهر والشبكة الجنوبية الأوسع

لم تقتصر الهجمات على ميناء بندرعباس؛ فقد ألحقت الضربات الأميركية أضراراً أيضاً ببرج التحكم في حركة الملاحة البحرية في تشابهار، وهي منشأة تدعم مراقبة السفن، وتنسيق العمليات داخل الميناء، وسلامة الملاحة، والاتصالات في الميناء الإيراني الرئيسي المطل على بحر عمان.

يقع ميناء تشابهار خارج مضيق هرمز، ويوفر لإيران بوابة بديلة نحو المحيط الهندي؛ لذا فإن الإضرار بالبنية التحتية للتحكم فيه يحد من قدرة طهران على تحويل الأنشطة البحرية واللوجستية بعيداً عن بندر عباس.

لم تؤدِ الضربة بالضرورة إلى إغلاق تشابهار؛ إذ يمكن للسفن مواصلة العمل عبر أنظمة تحكم موقتة، والاستعانة بمرشدي الموانئ وأنظمة الملاحة الموجودة على متن السفن. وتكمن أهمية الضربة في خفض الكفاءة التشغيلية، وزيادة المخاطر، وإثبات أن الموانئ البديلة ليست ملاذات آمنة ومحمية.

كما يؤدي تدمير البرج إلى إضعاف الوعي البحري المحلي؛ فمنشآت التحكم في الحركة تجمع معلومات عن السفن، وتنسق التحركات داخل الميناء، وتدعم عمليات الاستجابة للطوارئ، رغم احتفاظ إيران برادارات عسكرية وأجهزة استشعار ساحلية وأنظمة اتصالات بديلة في مواقع أخرى على طول الساحل.

وشملت الهجمات أيضاً مطار إيرانشهر الواقع في الداخل بعيداً عن ساحل مكران. ورغم أن المطار لا يُعد جزءاً مباشراً من منظومة بندر عباس، فإن استهدافه يشير إلى أن الولايات المتحدة تستهدف البنية التحتية اللوجستية الجنوبية الأوسع لإيران.

وتكشف الهجمات الأخرى في محيط سيريك وجاسك وبندر لنجة وقشم ومواقع مجاورة عن شبكة مترابطة من الأهداف تشمل موانئ ومواقع عسكرية ومحطات رادار ومطارات وطرقاً وجزراً تدعم العمليات الإيرانية في منطقة هرمز.

وبناءً على ذلك، يمكن وصف الحملة بدقة أكبر بأنها محاولة لعزل وإضعاف المجمع العسكري في بندر عباس وهرمز، مع العمل في الوقت نفسه على إضعاف البنية التحتية البحرية الجنوبية البديلة لإيران على طول بحر عمان.

المنطق العسكري

يتمثل الهدف الأميركي المباشر - على الأرجح - في الحد من قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية، وتهديد حركة الطاقة الدولية، وفرض قواعدها الخاصة للمرور عبر مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية. تسعى إيران للإشراف على حركة الملاحة عبر القنوات القريبة من سواحلها، في حين ترفض واشنطن السيطرة الإيرانية الأحادية وتدعم المسارات الأقرب إلى سلطنة عمان.

وقد هددت القوات الإيرانية بمهاجمة السفن المتهمة بالدخول من دون تصريح. وتُقدّم واشنطن حملتها باعتبارها ضرورة لحماية الملاحة ومنع استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والألغام والزوارق السريعة ضد حركة الشحن البحري.

ومن المنظور الأميركي، فإن تدمير بطاريات صواريخ فردية يُعد أمراً غير كافٍ إذا كان بإمكان إيران استبدالها، أو تغيير مواقع منصات الإطلاق، أو إصلاح الأنظمة المتضررة، أو مواصلة توجيه العمليات العسكرية من مواقع ساحلية محصنة أو مخفية.

وهنا يأتي دور «العزل العملياتي» لتغيير تلك المعادلة؛ إذ يؤدي قطع الطرق وخطوط السكك الحديدية بشكل متكرر إلى إبطاء وصول الأسلحة البديلة، كما أن تدمير شبكات الاتصالات يعقّد عمليات التنسيق، في حين أن عرقلة إمدادات الوقود وأعمال الصيانة والوصول إلى الموانئ تحد من وتيرة العمليات البحرية وقدرتها على الاستمرار. ولا يتمثل الهدف بالضرورة في القضاء على كل القدرات الإيرانية، بل في جعل النظام العسكري الإيراني أبطأ حركةً، وأكثر تكلفةً، وأكثر عرضةً للكشف والاستهداف، وأصعب من حيث القدرة على الحفاظ على جاهزيته واستمراريته بمرور الوقت.

هل يمهد هذا الطريق لغزو بري؟

لا توجد حالياً أدلة علنية مقنعة تشير إلى أن الولايات المتحدة تستعد لشن غزو بري واسع النطاق لإيران؛ إذ لا يزال النمط الظاهر للعمليات يرتكز على القوة الجوية، وعمليات الاعتراض البحري، وضرب البنية التحتية.

إن الغزو الشامل يتطلب حشوداً عسكرية هائلة، وقدرات نقل بحري ولوجستي، وغطاءً جوياً، وفرقاً هندسية، وقوات احتلال. كما أن مساحة إيران وعدد سكانها وتضاريسها (من جبال وصحارى) ومدنها الكبرى تجعل من مثل هذه الحملة عملية بالغة الصعوبة والتعقيد.

وبدلاً من ذلك، تشبه العمليات الحالية استراتيجية تعتمد على «بصمة عسكرية محدودة»: عزل مناطق ساحلية مختارة، وتدمير القدرات البحرية والصاروخية، والسيطرة على ممرات الوصول إلى مضيق هرمز، وممارسة ضغوط سياسية دون محاولة احتلال الأراضي الإيرانية الرئيسية.

ولا يعني غياب الحشود العسكرية الضخمة استبعاد احتمالية شن غارات محدودة أو عمليات إنزال برمائي؛ إذ يمكن للقوات الأميركية -نظرياً- السيطرة على موقع صغير أو جزيرة، غير أنه ينبغي عدم الخلط بين القدرة العسكرية والنوايا السياسية.

تكتسب جزيرة قشم أهمية إستراتيجية لوقوعها جنوب مدينة بندر عباس ومحاذاتها للممر الملاحي الشمالي. وتُظهر الضربات الأميركية أنها جزء من ساحة المعركة، لكنها لا تشير إلى وجود خطط لاحتلالها. إن أي عملية للسيطرة على جزيرة قشم ستنطوي على مخاطر عسكرية وسياسية جسيمة؛ فالجزيرة مأهولة بالسكان وتتميز بتضاريس صعبة وتضم مواقع عسكرية إيرانية، فضلاً عن أن القوات المحتلة ستظل عرضة لهجمات تنطلق من البر الرئيسي.

وفي غياب حشود عسكرية واضحة، أو استعدادات متخصصة للإنزال البرمائي، أو أنشطة عسكرية داعمة، تظل محاولة السيطرة على الجزيرة سيناريو تصعيدياً افتراضياً، وليست التفسير الأكثر إقناعاً لنمط الضربات الحالي.

حملة تصعيد مضبوطة

يبدو أن واشنطن تعتقد بقدرتها على زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية مع الحفاظ على السيطرة على مسار التصعيد. تجمع هذه الاستراتيجية بين الهجمات الجوية، والاعتراض البحري، والمراقبة، والضربات الدقيقة، وتعطيل البنية التحتية، واستمرار التواصل الدبلوماسي.

تستهدف القوة الجوية المنشآت العسكرية وشبكات النقل، بينما تفرض القوات البحرية الحصار. وتحدد أنظمة المراقبة الأهداف المتحركة والممرات المعرضة للخطر، في حين يتزايد الضغط الاقتصادي من خلال تعطيل الموانئ، وتأخير الشحنات، وتراجع الثقة التجارية.

هذه حرب قسرية: قوة محدودة ولكنها متصاعدة تهدف إلى إقناع الخصم بأن استمرار المقاومة سيصبح في نهاية المطاف أكثر تكلفة وأكثر ضرراً من الناحية الاستراتيجية من التسوية أو التفاوض أو خفض التصعيد العسكري.

يكمن الخطر في أن الحملة قد لا تبقى محدودة. فالهجمات على البنية التحتية تُطمس الحدود بين الأهداف العسكرية والحياة المدنية، لأن الجسور والسكك الحديدية والمطارات والموانئ والاتصالات والكهرباء تخدم كلا القطاعين.

وبالتالي، يمكن لكل طرف تصوير التصعيد التالي على أنه رد فعل على التصعيد السابق، مما يخلق حلقة مفرغة تُؤدي فيها الإجراءات التي يُفترض أنها مُعايرة إلى توسيع نطاق الصراع تدريجياً وتقليص فرص ضبط النفس.

هل يُمكن جعل بندرعباس غير ذات أهمية؟

تتمثل أقوى نسخة من الاستراتيجية الأميركية في جعل بندرعباس غير ذات أهمية عملياتية: أي غير قادرة على دعم العمليات البحرية، أو دعم السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، أو العمل بفعالية كبوابة تجارية وعسكرية.

لم يتحقق هذا الهدف بعد. لا تزال إيران تحتفظ بالصواريخ والطائرات المسيّرة والأصول الساحلية والسفن الصغيرة والطرق الداخلية والموانئ البديلة، في حين أن قدرتها على تهديد المضيق مُشتتة جغرافياً. يجادل المسؤولون الإيرانيون بأن الهجمات على المنشآت الساحلية لا يُمكنها القضاء على سيطرتهم لأن الصواريخ والطائرات المسيّرة يُمكن إطلاقها من مواقع أبعد بكثير من بندر عباس وتوجيهها عبر أجهزة استشعار مُشتتة.

يُمثل هذا تعقيدا حقيقيا لواشنطن. فالصواريخ الحديثة المضادة للسفن والطائرات المسيّرة بعيدة المدى لا تحتاج إلى التمركز بجانب الماء، في حين أن معلومات الاستهداف يُمكن الحصول عليها من الرادارات أو الطائرات المسيّرة أو السفن أو أجهزة استشعار أخرى.

وبالتالي، يمكن إضعاف هذه القدرات دون القضاء على قدرة إيران على منازعة السيطرة على المضيق. وتكمن المسألة الحاسمة في ما إذا كانت طهران قادرة على مواصلة تنسيق هذه القدرات وتزويدها بالموارد وتوظيفها بوتيرة عملياتية مؤثرة.

عزلة إستراتيجية

تدعم الأدلة المتاحة استنتاجاً مفاده بأن الولايات المتحدة تسعى بشكل منهجي لعزل ميناء بندر عباس والشبكة العسكرية الإيرانية الأوسع على الساحل الجنوبي، وذلك من خلال هجمات مشتركة تستهدف البنية التحتية وممرات الوصول البحري.

وتكتسب الهجمات على الجسور أهمية خاصة؛ إذ لا تكمن قيمتها العسكرية في دلالاتها الرمزية، بل في عرقلة حركة التنقل بين الساحل والمناطق الداخلية، وكشف طرق الإمداد المتبقية. وعند دمج هذه العمليات مع الضربات التي تستهدف السكك الحديدية والمطارات وشبكات الاتصالات والقواعد البحرية ومحطات الطائرات المسيرة ومواقع المراقبة وجزيرة قشم وميناء تشابهار، فضلاً عن تعزيزها بحصار بحري، فإنها تشكل معاً حملة متماسكة لقطع خطوط الإمداد والتحرك (حملة حظر عملياتي). ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين العزلة والتطويق الكامل؛ إذ لا يوجد تأكيد على قطع كل طريق رئيسي أو خط سكة حديد، أو على توقف ميناء «الشهيد رجائي» عن العمل.

كما لا تتوافر أدلة كافية وموثقة من مصادر مستقلة تجيز الاستنتاج بأن القدرات اللوجستية البحرية الإيرانية قد انهارت؛ فما زالت طهران تحتفظ بأصول عسكرية، وقدرات على الإصلاح والصيانة، وطرق بديلة، وقدرة على التكيف العملياتي.

والاستنتاج الأكثر وجاهة هو أن واشنطن تسعى لفرض عزلة عملياتية متدرجة، من خلال تقليص قدرات الإمداد، وزيادة انكشاف الطرق المتبقية، وحرمان إيران من الوصول الآمن إلى البحر كلما أمكن ذلك.

معركة هرمز

في نهاية المطاف، لا تقتصر الحملة على ميناء بندرعباس وحده، بل تتعلق بتحديد الطرف الذي يضع قواعد العبور والوصول العسكري والملاحة التجارية عبر مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية البالغة.

بالنسبة لطهران، تمنحها السيطرة على المضيق أوراق ضغط عسكرية واقتصادية وتفاوضية.

ومن خلال استهداف الجسور والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات والمداخل الساحلية والقواعد الداعمة، تحاول واشنطن حرمان إيران من البنية التحتية اللازمة لتحويل ميزتها الجغرافية إلى قوة عسكرية وسياسية مستدامة. تُعد هذه الحملة نموذجاً مثالياً لما يُعرف بـ «العزل العملياتي»: مهاجمة أنظمة القيادة، وقطع ممرات الإمداد، وتدمير الأصول المتحركة، وتقييد الوصول البحري، وتقليص قدرة العدو تدريجياً على إعادة بناء قوة قتالية مؤثرة.

غير أن الاستراتيجيات النموذجية لا تؤدي دائماً إلى نتائج نموذجية؛ فقوات إيران منتشرة، وخطها الساحلي ممتد، ومضيق هرمز يظل ضيقاً بما يكفي ليكون عرضة للتهديد بأسلحة بسيطة نسبياً.

ربما تحاول الولايات المتحدة تحييد أهمية ميناء بندرعباس من دون الحاجة لغزو إيران، في حين ستسعى طهران لإثبات أنه لا يمكن تحييد المدينة أو نفوذها على مضيق هرمز عبر الضربات الجوية.

وتُمثّل الجسور المدمرة بدايةً لهذا الصراع؛ إذ تتحول الحرب من استهداف الأسلحة ذاتها إلى استهداف الشبكات التي تتيح لتلك الأسلحة - وللدولة التي تقف وراءها - العمل وممارسة مهامها.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي