ثمن إبقاء أوكرانيا في الحرب: أوروبا تدفع.. أميركا تُزوّد.. وحلف الناتو يُنسّق
منذ الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، صمدت أوكرانيا ليس فقط بفضل جيشها وتعبئتها وشبكتها الاستخباراتية وصمودها الداخلي، بل لأن الولايات المتحدة وأوروبا وأعضاء حلف الناتو حوّلوا الحرب إلى واحدة من أكبر الجهود العسكرية الممولة خارجياً في التاريخ الحديث. لم تأتِ الأموال من قناة واحدة، بل وصلت على هيئة أسلحة، ومنح من الميزانية، وقروض، وذخيرة، ودعم استخباراتي، وتدريب، ومساعدات للاجئين، وعقود صناعية، وحزم دفاع جوي، وبرامج تعويض عن المخزونات الغربية.
لذا، يصعب التعبير عن الإجمالي برقم واحد دقيق، إذ تختلف المؤسسات في حساباتها. تشمل الأرقام الرسمية الأميركية الاعتمادات والالتزامات والمدفوعات وتجديد المخزونات الأميركية وبرامج الوكالات والأموال التي لا تُحوّل بالضرورة مباشرة إلى كييف. أما أرقام الاتحاد الأوروبي فتشمل المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية وتكاليف دعم اللاجئين الأوكرانيين داخل الاتحاد الأوروبي.
وفقًا لحسابات الحكومة الأميركية، خصص الكونغرس 195.03 مليار دولار منذ فبراير 2022 لعملية «عزم الأطلسي» والرد على أوكرانيا. وبحلول 31 مارس 2026، تم الالتزام بمبلغ 177.76 مليار دولار، وصرف 116.02 مليار دولار.
وتشير بيانات الرقابة نفسها إلى أن واشنطن التزمت بتقديم 67.8 مليار دولار في شكل مواد وخدمات دفاعية من خلال آليات مثل سلطة السحب الرئاسية، والتمويل العسكري الأجنبي، ومبادرة المساعدة الأمنية لأوكرانيا. هذا لا يعني أن 195 مليار دولار قُدمت لأوكرانيا نقدًا، بل يعني أن الولايات المتحدة أنشأت إطارًا لدعم الحرب يشمل التحويلات العسكرية، وتجديد المخزونات الأميركية، والإنتاج الدفاعي، والدعم المالي، والبرامج الإنسانية، والتواجد العسكري الأميركي الأوسع في أوروبا.
أما أوروبا، ودول الأعضاء بالإضافة إلى المملكة المتحدة والنرويج وأيسلندا وسويسرا، فقد خصصت ما يقارب 214.8 مليار يورو، بما في ذلك نحو 102.2 مليار يورو كمساعدات عسكرية، و93.4 مليار يورو كمساعدات مالية، و19.3 مليار يورو كمساعدات إنسانية. وبالنظر إلى الالتزامات، يرتفع رقم أوروبا إلى نحو 389.7 مليار يورو، مقارنةً بحوالي 119 مليار يورو للولايات المتحدة. تُظهر هذه الأرقام التحول الاستراتيجي: فقد أنشأت واشنطن خط الدعم العسكري المبكر، لكن أوروبا أصبحت الممول المهيمن على المدى الطويل.
أما حسابات الاتحاد الأوروبي فهي أشمل. إذ تُشير المفوضية الأوروبية إلى أن دعم الاتحاد لأوكرانيا منذ بداية الحرب بلغ 215.2 مليار يورو. ويشمل هذا أكثر من 110.4 مليار يورو في شكل دعم اقتصادي ومالي واجتماعي وإنساني؛ و77 مليار يورو في شكل مساعدات عسكرية؛ وما يصل إلى 17 مليار يورو للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تستضيف أوكرانيين؛ و7.1 مليار يورو بموجب قرض دعم أوكرانيا؛ و3.8 مليار يورو من عائدات الأصول الروسية المُجمدة. هذا لا يُعادل أموال حلف الناتو، ولا يُعادل المساعدات الوطنية الثنائية، ولكنه يُظهر كيف تم دمج الحرب في البنية المالية والعسكرية والاجتماعية للاتحاد الأوروبي.
لا يُعد حلف الناتو نفسه خزانة تُضاهي واشنطن أو بروكسل. فالحلف لا يُقدم عادةً مساعدات كما تفعل الدول. دوره يقتصر على التنسيق والتوحيد والتدريب والالتزام السياسي والدعم اللوجستي العسكري.
مع ذلك، أصبح حلف شمال الأطلسي (الناتو) منصةً مركزيةً لاستمرار الحرب. ففي قمة واشنطن عام 2024، تعهد الحلفاء بتقديم مساعدات أمنية لأوكرانيا لا تقل عن 40 مليار يورو على مدار العام التالي، وأعلن الناتو لاحقًا أن الحلفاء قدموا أكثر من 50 مليار يورو في عام 2024، حيث جاء ما يقرب من 60% منها من الحلفاء الأوروبيين وكندا.
وبحلول يونيو/حزيران 2026، تلقى الصندوق الاستئماني لحزمة المساعدة الشاملة التابع للناتو أكثر من 1.4 مليار يورو. كما أنشأ الناتو هيكل المساعدة الأمنية والتدريب لأوكرانيا لتنسيق التبرعات والخدمات اللوجستية والإصلاح والصيانة، مع التأكيد على أن هذا الدعم لا يجعل الناتو طرفًا مباشرًا في الحرب.
أهم آلية جديدة هي قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية (PURL). وبموجب هذا النموذج، تُحدد الاحتياجات العسكرية العاجلة لأوكرانيا. بموجب اتفاقية منظمة، يتولى حلف الناتو تنسيق حزم المساعدات، ويدفع الحلفاء ثمن الأسلحة والذخائر الأميركية الصنع التي تُنقل إلى أوكرانيا. يتيح هذا لإدارة ترامب وسيلةً لمواصلة تسليح أوكرانيا مع تقليل انكشاف الولايات المتحدة المالي المباشر الجديد. ويشير حلف الناتو إلى أنه بحلول عام 2026، موّل أكثر من ثلثي الحلفاء، إلى جانب أستراليا ونيوزيلندا، معدات عسكرية أمريكية بأكثر من 6 مليارات دولار عبر برنامج PURL، بما في ذلك الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي. وسجلت تقارير الرقابة الأميركية بشكل منفصل مساهمات من الحلفاء بقيمة 4.15 مليار دولار لوزارة الحرب الأميركية عبر برنامج PURL بحلول نهاية مارس 2026.
هذا هو السياق الذي يُفسر رقم 70 مليار يورو الذي طُرح في قمة الناتو بأنقرة في الفترة من 7 إلى 8 يوليو 2026. ولا ينبغي فهم هذا الرقم على أنه حزمة مساعدات أمريكية جديدة، ولا على أنه أموال جديدة تُضاف إلى جميع الالتزامات السابقة. أكد إعلان أنقرة الصادر عن حلف الناتو تعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو من المعدات العسكرية والمساعدات والتدريب لأوكرانيا في عام 2026، وأكدوا التزامهم بالحفاظ على مستوى مماثل على الأقل في عام 2027.
ويشمل هذا الرقم المساعدات العسكرية الوطنية والتدريب والمعدات والآليات متعددة الأطراف وأدوات التمويل الأوروبية. ويمثل هذا الإعلان إضفاء الطابع الرسمي على نموذج تقاسم الأعباء بقيادة أوروبية وكندية، حيث تقلل واشنطن من انكشافها المالي المباشر، بينما تواصل الصناعة الأميركية توريد الأنظمة الرئيسية عبر قنوات ممولة من الحلفاء، مثل برنامج PURL.
وبالتالي، فإن هذا التحول سياسي بقدر ما هو مالي. فقد ضغط ترامب على أوروبا لتحمل المزيد من الأعباء، واستجابت أوروبا بزيادة الإنفاق الدفاعي، وشراء أسلحة أمريكية لأوكرانيا، ومحاولة إثبات أن الحلف لن ينهار إذا خفضت واشنطن المنح المباشرة.
وكان التزام الناتو في لاهاي لعام 2025 قد ألزم الحلفاء بالتوجه نحو إنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والأمن بحلول عام 2035، بما في ذلك 3.5% على الأقل للدفاع الأساسي. في أنقرة، طُبِّق منطق تقاسم الأعباء هذا مباشرةً على أوكرانيا: ستُموّل الأموال الأوروبية والكندية خط الأنابيب، وستُوفّر الصناعة الأميركية الأنظمة الرئيسية، وسيتولى حلف الناتو إدارة التنسيق.
يُناسب هذا النموذج الخطاب السياسي لترامب. إذ يُمكنه الادعاء بأن الولايات المتحدة لم تعد تُقدّم مساعدات مالية غير محدودة، مع السماح في الوقت نفسه لأوكرانيا بتلقّي صواريخ باتريوت الاعتراضية، والذخائر المتطورة، وغيرها من الأنظمة التي لا يُمكن توفيرها على نطاق واسع إلا من قِبَل الولايات المتحدة. وقد خصّص قانون الدفاع الأميركي للسنة المالية 2026 مبلغ 400 مليون دولار لمبادرة المساعدة الأمنية لأوكرانيا، وعزّز الإبلاغ عن برنامج PURL، مُؤطِّرًا الآلية صراحةً كوسيلة لضمان استمرار تمويل الدعم لأوكرانيا بشكل أساسي من قِبَل الحلفاء الأوروبيين. بالمقارنة مع حزم المساعدات الأميركية التكميلية السابقة، يُعدّ هذا انخفاضًا كبيرًا في المساعدات الأميركية الجديدة المباشرة، ولكنه ليس انسحابًا استراتيجيًا كاملًا.
أما حسابات أوروبا فهي مختلفة. فبالنسبة لبولندا، ودول البلطيق، ودول الشمال، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وغيرها، تُعامل الحرب على أنها خط الدفاع الأمامي الأوروبي. والهدف الاستراتيجي ليس مجرد إبقاء أوكرانيا على قيد الحياة؛ يهدف ذلك إلى منع روسيا من تحويل نجاحها الميداني إلى نظام أمني أوروبي جديد. فالمساعدات المستمرة تمنح أوروبا الوقت لإعادة التسلح، وتوسع إنتاجها الدفاعي، وتضعف القوات التقليدية الروسية، وتحافظ على أوكرانيا في موقف تفاوضي قوي بدلاً من موقف الانهيار. لهذا السبب استمرت المساعدات الأوروبية حتى مع تحول السياسة الأميركية إلى سياسة أكثر نفعية. وقد خلص تقرير كيل لعام 2026 إلى أن الدول الأوروبية حافظت على مستويات عالية من الدعم العسكري، لا سيما المساعدات المتعلقة بالطائرات المسيّرة، حتى مع تباطؤ المخصصات المالية والإنسانية بسبب تأخر تمويل الاتحاد الأوروبي.
المنطق العسكري هو منطق الاستنزاف والمنع. فالدعم الغربي مصمم لتزويد أوكرانيا بالدفاع الجوي والمدفعية والطائرات المسيّرة وأنظمة الضربات بعيدة المدى والمركبات المدرعة والذخيرة والتدريب والصيانة. والهدف هو منع روسيا من تحقيق اختراق عملياتي، وإضعاف البنية التحتية اللوجستية والطاقة الروسية، والحفاظ على أوكرانيا كجيش ودولة فاعلة. ويؤكد حلف الناتو بوضوح أن دعم أوكرانيا يهدف إلى تعزيز كييف في ساحة المعركة، وبالتالي تعزيز موقفها التفاوضي في نهاية المطاف.
لا يعني هذا أن الغرب يعتقد أن أوكرانيا قادرة على استعادة جميع الأراضي المحتلة بالقوة بسهولة في المستقبل القريب. بل يعني أن حلف الناتو وأوروبا يراهنان على أن روسيا قد تُستنزف أسرع من قدرتها على تحقيق نصر حاسم، مع أن هذا يبقى مجرد افتراض وليس حقيقة مؤكدة. ولهذا السبب، فإن الدفاع الجوي، والضربات العميقة، وإنتاج الطائرات المسيّرة، ومرافق الإصلاح، وخطوط إمداد الذخيرة، كلها أمورٌ أكثر أهمية من التصريحات الرمزية. لقد أصبحت الحرب اختبارًا لقدرة الصناعة على التحمل.
لكن هذا لا يعني أن أوكرانيا بمنأى عن الضغوط. فكييف تواجه أيضًا نقصًا في القوى العاملة، وإرهاقًا في التعبئة العامة، ومخاوف من الفساد، وضغوطًا سياسية، واستنزافًا للبنية التحتية، واعتمادًا على سلاسل إمداد خارجية لا تسيطر عليها. وقد أفادت رويترز بأن نظام التعبئة العامة في أوكرانيا شابته مزاعم إساءة استخدام السلطة والفساد، مما أدى إلى تفاقم الغضب الشعبي وتراجع الحماس للخدمة العسكرية، مع نقص في وحدات الخطوط الأمامية، وانخفاض في التجنيد التطوعي، وإرهاق بين الأفراد ذوي الخدمة الطويلة. يمكن للأموال الغربية أن تُبقي الجيش مجهزًا، لكنها لا تستطيع استبدال الجنود بالكامل، أو استعادة الروح المعنوية العامة، أو ضمان قدرة المجتمع الأوكراني على استيعاب حرب غير محددة المدة دون تفاقم التوترات الداخلية. ولذلك، فإن الحسابات الغربية لا تقوم على أن أوكرانيا قوية بلا حدود، بل على أن حدود روسيا قد تصبح أكثر حسمًا من الناحية الاستراتيجية إذا استمر تزويد أوكرانيا بالإمدادات لفترة كافية.
تؤكد الجبهة في أوائل يوليو/تموز 2026 هذا التفسير جزئيًا فقط. لا تزال روسيا تحتل مساحات شاسعة من شرق وجنوب أوكرانيا، وتواصل الهجوم على عدة محاور. لكن وتيرة تقدمها قد تباطأت. أفبد أن القوات الروسية استولت على نحو 30.42 كيلومترًا مربعًا أو توغلت فيها في يونيو/حزيران 2026، وهو أقل بكثير من يونيو/حزيران 2025، عندما استولت القوات الروسية على أكثر من 481 كيلومترًا مربعًا. إنها حربٌ تعتمد على الأمتار، والمستوطنات الصغيرة، وجماعات التسلل، والقنابل الانزلاقية، والطائرات المسيّرة، والضغط الاستنزافي، وليست حرب مناورات واسعة النطاق.
تكمن مشكلة روسيا في أن المكاسب البطيئة مكلفة. وقد حذّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية من أن روسيا تواجه قيودًا متزايدة على القوى العاملة والصناعة، وأن موسكو قد تضطر قريبًا إلى اتخاذ قرار في شأن ما إذا كانت ستُعبئ اقتصادها ومجتمعها قسرًا بشكل جذري، أو ستُقلّص أهدافها الحربية. كما وصف تحليل سابق للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية روسيا بأنها تقترب من نقطة تحوّل في التجنيد والإنتاج، حيث باتت الخسائر واحتياجات الاستبدال ونقص العمالة أكثر صعوبة في إدارتها.
في غضون ذلك، كثّفت أوكرانيا هجماتها على منظومة الطاقة واللوجستيات الروسية.
وأظهرت غارة الطائرات المسيّرة في يوليو/تموز 2026 على مصفاة أومسك، أكبر مصفاة في روسيا، مدى اتساع نطاق حملة الضربات الأوكرانية. وذكرت رويترز أن المصفاة أوقفت عملياتها بعد الهجوم، وأن الوحدات المتضررة مثّلت جزءًا كبيرًا من الطاقة الإنتاجية، وأن هذا التعطّل قد يُفاقم نقص الوقود. كما ذكرت رويترز أن مصفاة ساراتوف أوقفت عملياتها بعد هجوم بطائرة مسيّرة بعد يومين.
لا تُلحق هذه الضربات الهزيمة بروسيا وحدها، لكنها تُضاعف الضغط عليها. فهي تُجبرها على الدفاع عن مناطقها الخلفية العميقة، وإصلاح مصافي النفط، وحماية خطوط السكك الحديدية، وتأمين طرق إمداد شبه جزيرة القرم، واستبدال الدفاعات الجوية، واستيعاب الاضطرابات الاقتصادية، مع استمرارها في تزويد الجبهة بالجنود والذخيرة. هذا هو الخلل الذي يسعى حلف الناتو وأوروبا إلى استغلاله: تتحمل أوكرانيا التكلفة البشرية للحرب البرية، بينما تتحمل روسيا التكلفة التراكمية لمحاربة خصم مدعوم بقوة، ومتطور باستمرار، مدعوم بأموال واستخبارات وصناعة وتكنولوجيا غربية.
لذا، فإن تعهد أنقرة، الذي تم تأكيده رسميًا في إعلان أنقرة الصادر عن حلف الناتو، يُمثل أكثر من مجرد بند محاسبي آخر. إنه رسالة استراتيجية مفادها أن أوروبا وكندا على استعداد لتمويل المجهود الحربي لأوكرانيا بما يقارب 70 مليار يورو سنويًا، بينما تُقدم الولايات المتحدة أنظمة رئيسية من خلال نموذج التحويل المدفوع. هذا يُخبر موسكو أن انتظار استنزاف الغرب قد لا يكون كافيًا. ويُخبر كييف أن الدعم سيستمر حتى لو أصبحت واشنطن أكثر تحفظًا. ويُخبر ترامب أن أوروبا هي التي تدفع. ويُخبر الرأي العام الأوروبي أن أوكرانيا أصبحت الآن جزءًا من محيط الدفاع في القارة.
خلاصة القول واضحة. منذ عام 2022، خصصت الولايات المتحدة نحو 195 مليار دولار لدعم أوكرانيا والعمليات الأمنية الأوروبية.
وخصصت أوروبا أكثر من 214 مليار يورو وفقًا لإحصاءات كيل، وتطالب بـ 215.2 مليار يورو كدعم على مستوى الاتحاد الأوروبي بموجب حسابات المفوضية الأوروبية الأوسع. وقد نسق حلف الناتو عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات عسكرية للحلفاء، وأنشأ البنية التحتية اللوجستية والتدريبية، وساعد في تحويل برنامج «PURL» إلى حلقة وصل بين الأموال الأوروبية والأسلحة الأميركية. ويمثل رقم أنقرة، المحدد رسميًا بـ 70 مليار يورو لعام 2026، المرحلة التالية: نظام دعم حربي بقيادة أوروبية وبدعم أميركي، مصمم لإبقاء أوكرانيا في حالة قتال، ومنع النصر الروسي، وإجبار موسكو على التفاوض.
هذه ليست صدقة، بل حرب بالوكالة قائمة على الصمود. فالغرب لا يدفع لمجرد بقاء أوكرانيا، بل يدفع لتشكيل ميزان القوى المستقبلي في أوروبا. لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر. فما زال بإمكان روسيا القتال حتى عام 2027 وما بعده، بينما تواجه أوكرانيا ضغوطًا بشرية واقتصادية واجتماعية. ولا يوجد إجماع تام في جميع عواصم حلف الناتو حول مدة استمرار هذا الوضع، وتكلفته، والغاية السياسية المرجوة منه. ما تؤكده أنقرة ليس يقين النصر، بل استعدادها لإطالة أمد الصراع: فأوروبا وكندا تزيدان العبء المالي، والولايات المتحدة تتجه نحو نموذج الإمداد المدفوع، وحلف الناتو يحوّل المجهود الحربي الأوكراني إلى مشروع صناعي واستراتيجي طويل الأمد.
ولذلك، لم يعد يُحكم على الحرب فقط من خلال الأراضي المكتسبة أو المفقودة. يُحسم الأمر بناءً على من يستطيع تحمل الألم لفترة أطول، ومن يمكنه تعويض الخسائر بوتيرة أسرع، ومن يمتلك القدرة على تحويل الأموال إلى قدرة على الصمود في ساحة المعركة.