الانتخابات الإسرائيلية 2026... جيل الكراهية يُصوّت
- جيل كامل من الشباب يدخل المعترك السياسي حاملاً أفكاراً عنصرية متطرفة... والمستقبل يُنذر بالمزيد من الحروب والدماء
- اليمين المتطرف يرفض العرب والفلسطينيين ولا يؤمن بالسلام ويطمح بالتوسع شرقاً وغرباً
- عندما تطلب الدولة العنصرية تغيير المناهج العربية وتربية الأجيال على الكراهية والتفوق العنصري
- إسرائيل ليست ديمقراطية تحتاج إلى إصلاح بل دولة عنصرية في صميمها تعيش على وهم الديمقراطية بينما تربي قاتلي المستقبل
- بن غفير وسموتريتش اخترقا وعي جيل عبر تطبيقات التواصل وأصبح يُنظر إليهما كقادة حقيقيين يتحدثان لغته
في مشهد تنكر فيه إسرائيل باستمرار لإنسانيتها، تتصدر واجهة مطالباتها للفلسطينيين والعرب والمسلمين بـ«تغيير مناهجهم التعليمية» و«نبذ خطاب الكراهية» و«التطبيع مع الاحتلال»، بينما تغرق مؤسساتها التعليمية في بحر من العنصرية المقنّعة، والتلقين الديني المتطرف، والتربية على التفوق اليهودي المطلق، وفكرة «شعب الله المختار» التي تُستغل كغطاء ديني لسياسات التطهير العرقي.
لكن الحقيقة التي يسعى الاحتلال جاهداً لإخفائها، والتي انكشفت بأدلة قاطعة في صحيفة «هآرتس»، تُظهر أن المجتمع الإسرائيلي يمر بتحولات مروعة نحو العنصرية المتطرفة، وأن جيلاً كاملاً من الشباب يُربّى على كراهية العرب والمسلمين، ويتم إعداده ليكون أداة انتخابية طيّعة في يد اليمين الفاشي الذي يُبشّر بلا حدود.
تستند الورقة إلى مقالين تحليليين لـ «هآرتس»:
المقال الأول بقلم نوعا ليمونا، بعنوان «عنصريون أكثر، ديمقراطيون أقل: خريجو الصف الثاني عشر سيصوتون لأول مرة بعد سنوات من الأزمات».
المقال الثاني بقلم تسفي برئيل، بعنوان «فقط لا تحبسونا داخل حدود».
وتطرح الورقة السؤال الأكثر إحراجاً للنخبة الإسرائيلية: كيف تطالبون أطفالنا بتغيير مناهجهم، بينما تخرّجون جيلاً بكامله على كراهية العرب وتفوق اليهود وانعدام الأفق الإنساني؟
جيل الكراهية
1 - عقوبة الإعدام للعرب – شعارات تتردد في الصفوف الدراسية
تصف ليمونا مشهداً صادماً لمشاهدته حتى بالنسبة للإسرائيليين أنفسهم: فيديو انتشر على نطاق واسع الأسبوع الماضي، يظهر فيه فتى إسرائيلي في السادسة عشرة من عمره، يرتدي زي الكشافة، ويتحدث بثقة مطلقة عن ضرورة «إعدام الإرهابيين وطردهم من البلاد».
المذيع ليئور شلاين لم يجد ما يعترض به على هذا التطرف، مما يعكس أن هذه الأفكار لم تعد غريبة على الإعلام الإسرائيلي.
تؤكد ليمونا، نقلاً عن خبراء وباحثين، أن هذه الحالة ليست استثناءً، بل هي جزء من «توجه متزايد للعنصرية بين المراهقين والشباب».
وتستشهد باستطلاع الهيئة الوطنية للتقييم والقياس في التعليم «راما» لعام 2025، الذي أظهر ارتفاعاً كبيراً في نسبة الطلاب الذين يرون أن فئات بأكملها من المجتمع، وعلى رأسها العرب، «لا تستحق أن تكون جزءاً من المجتمع الإسرائيلي».
2 - التربية على التفوق اليهودي والتطبيع مع الفاشية
يكشف التقرير أن الشباب الإسرائيلي باتوا أكثر تمسكاً بالصهيونية المتطرفة والقومية اليهودية، لكنهم في الوقت نفسه فقدوا أي التزام بقيم التسامح والمواطنة المتساوية.
روني جفعوني، الأمينة العامة لحركة «هشومير هتسعير»، تصف هذا التناقض بوضوح: «هؤلاء الشباب يظهرون التزاماً قوياً بحرية التعبير وحقوق المثليين، لكنهم في الوقت نفسه يعربون عن الخوف من المواطنين العرب، بل وحتى عن كراهيتهم».
هذه المعادلة البشعة، التي توحي بأن اليهودي الإسرائيلي قد يتبنى قيماً ليبرالية بين أبناء جلدته، لكنه يرفض منحها للعربي، هي جوهر النفاق الإسرائيلي الذي يتم تربيته في المدارس، ويتم تضخيمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يجد الشباب قدواتهم في شخصيات مثل وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يصفه الشباب وفقاً لقائد الكشافة العاد سندوفيتش بأنه «على الأقل يبذل الجهد للتحدث معهم».
3 - حادثة «مدرسة أوهيل شيم» – نموذج لتدخل الفاشية في التعليم
في فبراير 2025، وقعت حادثة في مدرسة «أوهيل شيم» في رمات غان، جسّدت بوضوح هذا التداخل الخطير بين السياسة الفاشية والتربية. عندما صمم طالب على نصب منصة للتفلين من دون إذن، تم استدعاؤه لتأديب، لكن بن غفير تدخل شخصياً ووصف الطالب بأنه «منسق حزب قوة يهودية».
نظّم الحزب تظاهرة، واقتحم الناشط مردخاي دافيد غرفة المدير. لاحقاً، تم استقبال الطالب في الكنيست وحظي بالثناء من كتلة «قوة يهودية».
هذا الحدث يثبت أن المناهج الإسرائيلية ليست فقط عنصرية، بل أصبحت أداة في يد الفاشيين الذين يزرعون في عقول الأطفال الولاء للحزب وللزعيم، وليس للقيم الديمقراطية المزعومة.
وهنا يتجلى السؤال الفلسفي الأخلاقي: كيف تطالبون بتغيير مناهجنا وأنتم تدرّبون أطفالكم على أن يكونوا جنوداً في جيش التطرف؟
انعدام الحدود... إسرائيل بين دولة إسبرطة وإمبراطورية التوسع
1 - طلاب لا يعرفون حدود دولتهم... وفلسطينيو الداخل عدوّ
في مقاله العميق، يرسم برئيل صورة أخطر من الناحية الإستراتيجية. يستذكر حواراً في كلية «سبير»: طُلب من الطلاب رسم «الخط الأخضر»، ولم يستطع أحد إلا طالبة واحدة قالت ببرود: «الخط الأخضر هو العدو».
هذه الروح التي تجعل من الحدود الدولية مجرد عدو يجب تدميره، هي التي تتم تغذيتها يومياً في المدارس الإسرائيلية.
يحذر برئيل من أن إسرائيل تتحول من «دولة قومية ذات حدود معترف بها» إلى «دولة إسبرطة» - كيان عسكري محصّن، لا يعرف أفقاً سياسياً، ويقيس مستقبله بمدى قدرته على السيطرة والتوسع، وليس بحجم سلامه واستقراره.
2 - غياب الأفق السياسي... اليمين المتطرف يملأ الفراغ
يستشهد برئيل بالمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي قال: «لقد مات القديم والجديد لا يستطيع أن يولد»، محذراً من الأعراض الكارثية في الفترة الانتقالية التي تعيشها إسرائيل.
ففي غياب أي مشروع سياسي بديل عن التوسع الاستيطاني، يصبح الشباب الإسرائيلي فريسة للخطاب التدميري الذي يُعد بـ«السيادة الكاملة» و«طرد الأعداء».
وهنا تظهر المفارقة الإسرائيلية الأكثر إيلاماً: الحكومة التي تطالب الفلسطينيين والعرب بتغيير مناهجهم ونبذ المقاومة، هي نفسها التي تربي أبناءها على أن الحدود هي «العدو»، وأن الاحتلال والتوسع هما المصير الطبيعي لدولة إسرائيل. وهذا هو جوهر النفاق الذي يكشفه تقرير «هآرتس»: إسرائيل ليست ديمقراطية تحتاج إلى إصلاح، بل دولة عنصرية في صميمها، تعيش على وهم الديمقراطية بينما تربي قاتلي المستقبل.
فشل المؤسسات التربوية... أزمة القيم والفجوة بين القول والفعل
1 - تربية على الازدواجية... خذوا بقيمنا ولا تطبقوها على العرب
تكشف الدكتورة عيناف عمرام اشيروف عمق الأزمة... أن النظام التعليمي الإسرائيلي يُدرّس الطلاب ثنائية خطيرة: أن يكونوا «ديمقراطيين» مع اليهود، وعنصريين مع العرب. وهو ما يفسر التناقض الصارخ الذي لاحظته روني جفعوني بين التزام الشباب بحرية التعبير للمثليين والشواذ، وكراهيتهم المطلقة للمواطنين العرب.
2 - اضطهاد المعلمين وتكميم الأفواه
تُضيف الدكتورة تامي هوفمان، رئيسة برنامج سياسة تعليم الديمقراطية في معهد الديمقراطية الإسرائيلي: الحكومة الإسرائيلية لا تريد تعليماً نقدياً أو أخلاقياً، بل تريد تعليماً يُخضع العقل لتسلط الأيديولوجيا القومية، ويُعدّ الطالب ليكون أداة طيعة في مشروع التوسع والاستيطان. وفي هذا السياق، كيف تطالبون بتغيير مناهجنا وأنتم تضطهدون معلميكم وتُسكتون كل صوت نقدي؟
توقعات الانتخابات... اليمين المتطرف يصعد على أكتاف جيل الكراهية
1 - مؤشرات قاتمة للديمقراطية الإسرائيلية
تُجمع التحليلات على أن الانتخابات القادمة ستشهد فوزاً ساحقاً لليمين المتطرف، وذلك للأسباب التالية:
الناخب الجديد العنصري: جيل كامل من الشباب يدخل المعترك السياسي حاملاً أفكاراً عنصرية متطرفة، ويرفض التسامح مع الفلسطينيين، ولا يؤمن بالسلام كخيار ويطمح في التوسع شرقاً وغرباً...
غياب المعارضة الفعّالة: كما يشير برئيل، فإن أحزاب المعارضة فقدت القدرة على تقديم سردية بديلة، وتجنّبت ذكر حل الدولتين، مما يجعلها تبدو غير قادرة على منافسة اليمين.
شخصيات مثل بن غفير ووزير المالية المتطرف بتسموتريتش نجحت في اختراق وعي الشباب عبر تطبيقات التواصل، وأصبحوا يُنظر إليهم كقادة حقيقيين يتحدثون لغتهم، بعكس النخب القديمة التي يراها الشباب منفصلة عن الواقع.
الديمقراطية الإسرائيلية لم تعد إلا غطاءً شكلياً لنظام يحكم بالغالبية العنصرية، ويشرّع التمييز ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
تحذيرات الخبراء
تحذّر تامي هوفمان من المنحدر الحاد الذي تدهورت إليه إسرائيل وتحولت إلى دولة استيطان، دولة نسي الكثير من مواطنيها الذين يعيشون داخل حدودها المعترف بها ما هو الخط الأخضر 1984. هذا هو المسار الذي انطلق منه الانقلاب، وعلى أطرافه توجد بقايا الديمقراطية الإسرائيلية المحتضرة.
إسرائيل بين أخلاقيات الإنسانية ووحشية التطرف
يأتي هذا التقرير ليكشف حقيقة مكشوفة كانت تحتاج فقط إلى أدلة إسرائيلية لتؤكدها: إسرائيل التي تطالب الفلسطينيين والعرب بتغيير مناهجهم، هي نفسها التي تخرّج جيلاً بكامله على كراهية العرب والإسلام، وتربي أبناءها على التفوق العنصري، وتعيش حالة من انعدام الأفق السياسي والتوسع اللامحدود.
إن ازدواجية المعايير التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلية ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي جوهر المشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يقوم على نفي الآخر، وتكريس التمييز، وإضفاء الشرعية الدينية على سرقة الأرض وقتل الإنسان.
وحين تطلب هذه الدولة من الفلسطينيين تغيير مناهجهم، فإنها تطلب منهم أن يتخلوا عن حقهم في المقاومة، وأن يعترفوا بشرعية احتلالهم، بينما هي تُدرّس أبناءها أن«الحدود هي العدو» وأن«العربي لا يستحق أن يكون جزءاً من المجتمع».
ختاماً، قبل أن تطلب إسرائيل من أي شعب أن يغيّر مناهجه، عليها أولاً أن تغيّر مناهجها التي تربّي على القتل والكراهية، وأن تعترف بأن ديمقراطيتها المزعومة لا يمكن أن تتعايش مع نظام فصل عنصري يكرس كل أشكال التمييز ضد العرب والمسلمين. وإلا، فلتتوقف عن استغلال خطاب الإصلاح التعليمي كغطاء لتبرير جرائمها، ولتعلم أن التاريخ سيسجل، أن الكراهية لا يمكن أن تُربّى في المناهج ثم تُطلب من الآخرين التخلي عنها.