العلاقات التركية - الإسرائيلية... مواجهة إستراتيجية أم لعبة أعصاب انتخابية؟

مقاتلات «إف - 35»
مقاتلات «إف - 35»
تصغير
تكبير

- تصعيد تل أبيب وأنقرة كلامي وإستراتيجي أقرب إلى «رعدة انتخابية» و«لعبة أعصاب» بين نتنياهو وترامب
- دور واشنطن ضبط إيقاع المواجهة خصوصاً في ظل إصرار ترامب على تجنب حرب إقليمية شاملة

اندلعت موجة من القلق والتحركات الدبلوماسية المكثفة داخل المؤسستين السياسية والأمنية الإسرائيليتين منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 7 يوليو، خلال لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أنقرة على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عزم إدارته إعادة النظر في تجميد صفقة بيع مقاتلات «إف - 35» لأنقرة.

فما كان يُعتبر حتى وقت قريب ملفاً مجمداً عاد فجأة ليقلب موازين القوى في شرق المتوسط، وليُعيد تعريف طبيعة العلاقات التركية - الإسرائيلية، التي لم تكن في يوم من الأيام مستقرة، لكنها اليوم تقترب من نقطة اللاعودة.

لم تولد العداوة بين رئيس الوزراء الإسرائلي بنيامين نتنياهو، وأردوغان، في الأيام الأخيرة، بل هي جذور ممتدة لعقود من التنافس الإقليمي، وتبادل الاتهامات، والمواقف الحادة. لكن ما يُميّز المرحلة الراهنة هو تحول هذه العداوة من خطاب إعلامي إلى مواجهة إستراتيجية مكشوفة، على خلفية التطورات في سوريا، وملف الطاقة في شرق المتوسط، والصراع مع إيران.

ففي الوقت الذي يسعى فيه نتنياهو، لاستعادة صورته كـ«السيد أمن» قبل انتخابات أكتوبر 2026، يجد نفسه في مواجهة مع حليف أميركي يرى في تركيا شريكاً إستراتيجياً لا يمكن تجاهله.

السؤال المحوري الذي تطرحه هذه الورقة: هل تذهب إسرائيل فعلاً إلى مواجهة عسكرية مع تركيا في سوريا أو البحر، أم أن كل هذا التصعيد مجرد «رعدة انتخابية» و«لعبة أعصاب» مع واشنطن وأنقرة؟ وما دور واشنطن في ضبط إيقاع هذه المواجهة قبل أن تخرج عن السيطرة؟

صفقة «إف - 35» كمحفز رئيسي

1 - خلفية الصفقة واستبعاد تركيا

كانت تركيا شريكاً صناعياً أساسياً في برنامج المقاتلة F-35، وخططت لشراء أكثر من 100 طائرة، كما كانت تُصنّع نحو 900 مكون للطائرة. لكن عام 2019، قامت واشنطن بطرد أنقرة من البرنامج بعد شرائها نظام الدفاع الجوي الروسي S-400، بحجة أن تشغيل هذا النظام إلى جانب طائرة الشبح قد يعرّض التقنيات الحساسة للخطر.

وأضاف الكونغرس لاحقاً بنداً في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2020 يحظر نقل F-35 إلى تركيا طالما أنها تحتفظ بنظام S-400.

2 - عودة الملف إلى الواجهة

في قمة الناتو، أعلن ترامب، عزمه رفع العقوبات عن تركيا، ووصف أردوغان، بأنه «صديقي»، مشيراً إلى أن أنقرة «كانت أكثر ولاءً من دول أخرى» وأن صفقة F-35 أمر «سننظر فيه بالتأكيد».

وصرّح بأن «من المحتمل أن أفعل شيئاً يجعله سعيداً جداً» في إشارة إلى أردوغان. غير أن نائب الرئيس جي دي فانس، حذّر من أن أي صفقة محتملة ستتطلب موافقة الكونغرس والامتثال للمتطلبات القانونية الأميركية.

معارضة مطلقة وحسابات انتخابية

1 - معارضة نتنياهو العلنية

في مقابلة مع شبكة CNN، دعا نتنياهو، الإدارة الأميركية إلى التراجع عن أي خطوة لبيع تركيا المقاتلات، محذراً من أن ذلك «سيدمر توازن القوى في الشرق الأوسط» و«سيخل بالتوازن العسكري في المنطقة».

واتهم نظام أردوغان، بأنه «ليس حليفاً نموذجياً للولايات المتحدة» ويتأثر بـ«أيديولوجية الإخوان المسلمين».

2 - الأبعاد الداخلية للتصعيد

يشير المحلل العسكري عاموس هرئيل، في مقال له بصحيفة «هآرتس»، إلى أن التصعيد مع تركيا يحمل أبعاداً داخلية واضحة بالنسبة لنتنياهو، الذي يسعى «قبيل الانتخابات، لاستعادة صورة السيد أمن بعد تداعيات إخفاق 7 أكتوبر 2023».

ويضيف أن نتنياهو يستغل الزيارات الميدانية للقواعد العسكرية كأداة سياسية لإعادة تلميع صورته، متجاهلاً حقيقة أن «تجاهل النمو الكبير لقوة حماس وحزب الله حتى حدوث 7 أكتوبر، كان في معظمه في فترة ولايته».

المخاوف الإستراتيجية الإسرائيلية

لا تقتصر المخاوف الإسرائيلية على F-35 وحدها، بل تشمل أبعاداً إستراتيجية عدة:

التفوق الجوي المهدد: حصول تركيا على F-35 قد يُضعف التفوق الجوي الإسرائيلي، وهو مبدأ أساسي في السياسة الأميركية يُعرف بـ«الحافة النوعية» (Qualitative Military Edge)، التي تضمن تفوق إسرائيل العسكري على أي خصم إقليمي.

النفوذ التركي في سوريا: تخشى إسرائيل من نشر تركيا رادارات متطورة داخل الأراضي السورية وتوليها تدريب الجيش السوري، ما قد يُقلص حرية الحركة الجوية الإسرائيلية في الجبهة الشمالية.

التحالفات الإقليمية الجديدة: الحديث عن تقارب يضم تركيا ودول إقليمية، يُشكل تحديات إستراتيجية جديدة لتل أبيب التي تجد نفسها خارج هذه المعادلة.

تهديدات بحرية: حذّر نتنياهو، خلال زيارة للقاعدة البحرية في حيفا من أن تركيا قد تحاول تقييد وصول إسرائيل إلى الممرات البحرية وتهديد إمدادات الطاقة.

الموقف الأميركي... بين التحالف الإستراتيجي والضغوط الداخلية

1 - ترامب وأردوغان: صداقة تثير القلق

يبدو أن علاقة ترامب، الشخصية بأردوغان، تلعب دوراً محورياً في الموقف الأميركي. فقد أعلن ترامب، في تصريحات وصفت بـ«المبالغة»، أن أردوغان، امتنع عن الانضمام إلى حرب إيران ضد إسرائيل بفضل الصداقة بينهما. كما وصف تركيا بأنها «حليف استثنائي» ساعد في نزع فتيل التوتر مع إيران.

2 - عقبات قانونية وسياسية

تواجه إدارة ترامب، عقبات كبيرة في طريق إعادة تركيا إلى برنامج F-35:

قانون الكونغرس: يحظر قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2020 نقل الطائرات إلى تركيا ما لم تتخلص من نظام S-400، ولا يتضمن هذا البند استثناءً رئاسياً.

المعارضة في الكونغرس: وقّع 18 عضواً في الكونغرس (من الحزبين) رسالة تطالب بمنع أي صفقة طالما تحتفظ تركيا بنظام «إس - 400».

المعارضة الإسرائيلية واليونانية: تعهدت إسرائيل العمل مع أعضاء الكونغرس لإفشال الصفقة، بينما عبّر وزير الدفاع اليوناني عن معارضة بلاده.

3 - إلغاء زيارة هيغسيث

في تطور لافت، ألغى وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، زيارته المخطط لها إلى إسرائيل، التي كانت ستركز على مناقشة صفقة F-35 مع تركيا والوضع مع إيران، من دون تقديم سبب رسمي للإلغاء.

السيناريوهات المحتملة

1 - سيناريو المواجهة العسكرية المفتوحة

يبدو هذا السيناريو مستبعداً في المدى المنظور للأسباب التالية:

تصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين بأن «إسرائيل سترد بالمثل على أي تحرك عسكري تركي في سوريا» تبقى في إطار التصعيد الكلامي.

تركيا عضو في الناتو، وأي مواجهة معها قد تضع واشنطن في موقف صعب، خصوصاً في ظل العلاقة الشخصية الوثيقة بين ترامب وأردوغان.

التقديرات تشير إلى أن ترامب، رغم خطابه المتشدد، يسعى لتجنب حرب إقليمية شاملة.

2 - سيناريو التسوية المضطرة

هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث من المتوقع أن:

تواصل إسرائيل معارضتها للصفقة، لكن فرص نجاحها ضئيلة لأنها تحتاج إلى غالبية ثلثي الأصوات في الكونغرس لتجاوز حق النقض الرئاسي.

قد تسعى إسرائيل للحصول على تعويضات أو ضمانات أمنية بديلة، مثل نسخ «مخفضة القدرات» من الطائرات لتركيا.

قد تعود المفاوضات مع إيران إلى طاولة الحوار، ما يقلل من حدة التوتر الإقليمي.

3 - سيناريو الحرب في غزة

يُعتبر قطاع غزة «أكثر الجبهات اشتعالاً»، حيث تتكهن وسائل الإعلام الإسرائيلية بشن عملية عسكرية جديدة، مع استمرار الحكومة في عرقلة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق 7 أكتوبر.

تمر العلاقات التركية - الإسرائيلية اليوم بمرحلة هي الأكثر تعقيداً منذ عقود. فالمواجهة لم تعد محصورة بالساحة الدبلوماسية، بل انتقلت إلى ساحات عسكرية وأمنية وسياسية متعددة. لكن يبدو أن التصعيد الحالي يحمل في جوهره أبعاداً انتخابية داخلية إسرائيلية، ويهدف إلى إعادة تموضع إسرائيلي في مواجهة النفوذ التركي المتصاعد، وذلك في سياق إقليمي تشتعل فيه جبهات متعددة: إيران، سوريا، وشرق المتوسط.

أما السؤال الأهم: هل تذهب إسرائيل فعلاً إلى مواجهة عسكرية مع تركيا؟

تشير المعطيات إلى أن الإجابة هي «لا» في المدى المنظور، وذلك للأسباب التالية:

- العقبات القانونية والسياسية التي تحول دون تمرير صفقة F - 35 بسهولة.

- العلاقة الشخصية الوثيقة بين ترامب وأردوغان، والتي تجعل من المستبعد أن تقدم واشنطن الضوء الأخضر لمواجهة إسرائيلية مع حليف في «الناتو».

انشغال واشنطن بملف إيران ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يقلل من اهتمامها بفتح جبهة جديدة في شرق المتوسط.

والخلاصة: ما نشهده اليوم هو تصعيد كلامي وإستراتيجي، أقرب إلى «رعدة انتخابية» و«لعبة أعصاب» بين نتنياهو وترامب، في سياق تُحاول فيه إسرائيل الحفاظ على تفوقها العسكري وموقفها في الشرق الأوسط، بينما تسعى تركيا لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة.

ودور واشنطن في هذه المعادلة سيكون حاسماً، إذ تملك وحدها القدرة على ضبط إيقاع هذه المواجهة، وتوجيهها نحو حلول دبلوماسية بدلاً من مواجهات عسكرية مفتوحة، خصوصاً في ظل إصرار ترامب، على تجنب حرب إقليمية شاملة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي