القانون الدولي نجح جزئياً في تنظيم العلاقات الدبلوماسية وقانون البحار والطيران المدني والبريد الدولي والتجارة الدولية ولكنه يواجه صعوبات أكبر عندما يتعلق الأمر بالنزاعات بين الدول الكبرى أو القضايا التي تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية (مضيق هرمز نموذجاً)، وخاصة إذا علمنا أن القانون الدولي يقوم على رضا الدول ومدى التزامها بموجب معاهدات ومواثيق الأمم المتحدة، ولذلك يكون (الحق العام الدولي) موجوداً من حيث (المبدأ) لكنه أضعف من حيث (التنفيذ) لأنه يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة التعاون الدولي والإرادة السياسية للدول صاحبة الشأن.
الحق العام هو حق المجتمع والدولة في حماية النظام العام بما يحقق العدالة وحماية (السيادة) وصولاً إلى الردع العام... عندما يرى الناس أن القانون يطبق على الجميع الأمر الذي يقلّ معه الإقدام على ارتكاب الجرائم... وعليه نقول (الجرائم الدولية) لا تضر المجني عليهم وحدهم بل تزعزع أمن المجتمع الدولي وتتأرجح أسواق المال وتضعف الثقة بالقانون. ولنضرب لذلك مثلاً... لنفترض أن شخصاً يقود سيارة برعونة واستهتار وسرعة (جنونية) في الشارع العام ولم يُصب أحداً بأذى وهنا يأتي السؤال من المتضرر؟
الجواب لا أحد!
لكن القانون العام يرى أن المجتمع كله قد تعرض للخطر، ولذلك يعاقب السائق المتهور حتى دون وجود ضحية مباشرة وهذا هو جوهر الحق العام.
ومثله القيادة تحت تأثير المسكر حتى لو لم يقع حادث، فهناك حق عام لأن الخطر كان موجهاً إلى الجميع، وكذلك الرشوة فقد يرضى الراشي والمرتشي... لكن المجتمع هو المتضرر الحقيقي. لذلك لا يسقط الحق العام في هذه الأحوال... وهنا يأتي سؤال هل يمكن إسقاط الحق العام بحال من الأحوال؟
والجواب يختلف ذلك باختلاف النظام القانوني ونوع الجريمة ففي كثير من المخالفات الجسيمة كالعدوان والقتل وترويج المخدرات لا يكون تنازل المجني عليه كافياً لإنهاء الدعوى... لأن المصلحة العامة تتجاوز مصلحة الأفراد، ولهذا فإن فلسفة الحق العام سواء في الأنظمة القانونية الحديثة أو في الشريعة الإسلامية تنطلق من فكرة واحدة وهي أن المجتمع له مصلحة مستقلة في الأمن العام وإقامة العدل واستقرار النظام وعدم الارجاف وترويع الأمنين، وهذه المصلحة تتطلب استمرار المساءلة حتى إذا تنازل الشخص أو الجهة المتضررة.
وهنا يأتي السؤال لماذا لا يوجد حق عام في القانون الدولي على الرغم من تشدق الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن (بمبادئ العدالة) والضمير العالمي والنظام الجديد والإنسانية وحقوق الإنسان؟
ولماذا الحق العام في الدولة أقوى منه في القانون الدولي؟ والجواب باختصار أنه لا يوجد في القانون الدولي حكومة عالمية تملك سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية، وإذا أردنا معرفة إلى أي مدى يتم تطبيق قواعد الحق العام العالمي فلننظر مثلاً هل استطاعت عصبة الأمم بما تملك من امكانيات منع العدوان الإسرائيلي المتكرر رغم طول مدته على غزة وفلسطين عموماً؟ أو مكافحة القرصنة؟ أو منع الإبادة الجماعية؟ أو حتى مكافحة الارهاب الذي ضرب العالم بأسره؟
وهذا يجرنا إلى الجواب عن سؤال مستحق وهو لماذا إذاً يُنتهك هذا الحق كثيراً؟ والجواب عن هذا السؤال أقول وجدنا خلال العقود الماضية الإعلام العالمي رفع شعارات للاستهلاك المحلي في الشرق الأوسط ليتم بعدها سحق (الحق العام) في هذه الدول بحجة الخوف من الكيماوي المزدوج العراقي تارة وهبوب رياح التغيير من بارونات ثورات الربيع العربي (هيلاري كلينتون) ومكافحة داعش والإرهاب من خلال الرئيس الأميركي السابق (بوش الابن). فلماذا إذاً دُمرت تونس وليبيا والسودان واليمن والعراق ولبنان؟ ومن هنا يتبين لنا بوضوح الحق العام بأوضح صورة فهو في منزلة بين المنزلتين، الأولى تحقق مصالح الجميع وهي التي يتم تطبيقها بحذافيرها والثانية تحقق مصلحة شرذمة قليلة. وهذه مصيبة المصائب!
فأين العدالة؟!