اقرأ ما يلي...

عندما يغيّر السلوك وجه المدينة

تصغير
تكبير

في عطلة نهاية الأسبوع الماضية سافرت إلى القاهرة للمشاركة في واجب عزاء. وعندما أقلتني السيارة من المطار، انتابني شعور غريب. نعم، لقد زرت هذا المكان مرات كثيرة، لكن شيئاً ما بدا مختلفاً هذه المرة.

وكأي مسافر، أخذت أتأمل المدينة من نافذة السيارة، أراقب الشوارع والمباني وأحيّي المكان بعينيّ وذاكرتي. التفتُّ إلى السائق وقلت له: هناك شيء مختلف هذه المرة. ابتسم وقال: الشوارع نظيفة؟ وقلت: كيف استطعتم بهذه السرعة؟ ضحك وقال: زدنا عدد شركات التنظيف ومهامها... وأصبحت تعمل على مدار الساعة، ثم أردف: لم نغير سلوك الناس...! وجعلني جوابه أفكر طويلاً. فربما لا نستطيع دائماً تغيير سلوك الناس بشكل مباشر، لكننا نستطيع خلق بيئة تساعد على ترسيخ العادات الإيجابية وتدعمها.

هل تعلم عزيزي القارئ أن طبيباً مجرياً في القرن التاسع عشر لاحظ ارتفاع وفيات النساء بعد الولادة بسبب العدوى؟ وبعد بحث وملاحظة اكتشف أن الأطباء كانوا ينتقلون من غرف تشريح الجثث إلى غرف الولادة مباشرة. وعندما بدأوا بغسل أيديهم بمحاليل مطهرة قبل فحص المرضى، انخفضت الوفيات بشكل كبير. كانت عادة بسيطة، لكنها أنقذت آلاف الأرواح.

إنّ تغيير المجتمعات لا يحدث دائماً عبر القوانين والعقوبات، بل قد يبدأ من فكرة صغيرة أو مبادرة فردية.

في إحدى المدن اليابانية لاحظ طفل صغير أن الناس يرمون النفايات في الحديقة القريبة من منزله. لم يكن يملك سلطة أو مالاً، لكنه كان يحمل كيساً صغيراً يجمع فيه القمامة يومياً بعد عودته من المدرسة. أثارت مبادرته إعجاب المارة، ثم بدأ الأطفال يقلدونه، وتحولت الفكرة إلى حملة مجتمعية شارك فيها المئات. وبعد أشهر أصبحت الحديقة من أنظف الحدائق في المدينة. لم يغير ذلك الطفل الحديقة فحسب، بل غيّر سلوك المجتمع من حوله، وأثبت أن النظافة قد تبدأ بفرد واحد يؤمن بمسؤوليته.

مازلنا في اليابان. حين فوجئ الإعلام العالمي بالجماهير اليابانية بعد انتهاء إحدى مباريات كأس العالم وهي تنظف المدرجات وتجمع النفايات قبل مغادرة الملعب. لم يطلب منهم أحد ذلك ولم يكن هناك أي مقابل، لكنهم اعتبروا أن من واجبهم أن يتركوا المكان نظيفاً كما وجدوه.

وفي الكويت، يقوم معهد الكويت للأبحاث العلمية بدور مهم في دراسة البيئة الكويتية وحمايتها. وكنت أقرأ بإعجاب ما ينشره المعهد من أبحاث ودراسات علمية تسلّط الضوء على القضايا البيئية المحلية.

وفي إحدى الدراسات لفتتني قصة مؤثرة عن سلحفاة بحرية صغيرة علقت حول رقبتها حلقة بلاستيكية خاصة بعبوات المشروبات الغازية. لم تشعر السلحفاة بالخطر في البداية لصغر حجمها، لكنها مع مرور الوقت بدأت تكبر بينما بقيت الحلقة في مكانها، فأصبحت تضغط على رقبتها حتى تسببت في جروح ونزيف كاد أن يؤدي إلى نفوقها. وبعد جهد كبير تمكن المختصون من إنقاذها.

هذه القصة تختصر حجم الضرر الذي قد ينجم عن قطعة نفايات صغيرة يرميها شخص بلا اكتراث.

أتذكر كذلك برنامج «سلامتك» التوعوي الذي كان يعرض على التلفزيون الخليجي وأثره الكبير في جيل الثمانينات والتسعينات.

كانت الإرشادات الصحية والمرورية وسلامة الأسرة تُقدَّم في مشاهد قصيرة وبسيطة، بعضها كان يثير الخوف في نفوس الأطفال فلم تكن حياتنا بالبساطة التي يتوقعها الطفل، بقيت تلك الصور راسخة في الذاكرة. أما اليوم، فقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي أدوات أكثر سهولة وانتشاراً. فأصبحت الرسائل التوعوية تصل إلى ملايين الأشخاص في أقل من دقيقة عبر مقطع قصير أو صورة أو قصة مؤثرة.

إنّ المحافظة على البيئة والنظافة مسؤولية مشتركة. فالقانون يستطيع أن يفرض العقوبات، لكنه لا يستطيع أن يزرع القيم في النفوس. أما الوعي، فيستطيع أن يحول النظافة من واجب مفروض إلى سلوك حضاري يمارسه الإنسان بإرادته.

فكل شارع نظيف، وكل حديقة خالية من النفايات، وكل شاطئ نحافظ عليه، يبدأ من قرار بسيط نتخذه نحن: أن نترك المكان أفضل مما وجدناه.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي