ربما أحب كتابة المقال، لكن ذلك لا يعني أنني خبيرة في تأليف الكتب وبيعها، أو أنني أفكر في الاعتماد على دار نشر لتقوم بكل الواجب. ولأنني أجلس كثيراً مع مؤلفين، أغلبهم مديونون، وبعضهم لم يتسلّم نصيبه من مبيعات كتابه منذ سنتين أو أكثر.
في السابق، كنت أصدق الشريط العريض الذي يوضع فوق عنوان الكتاب ويُكتب عليه (الكتاب الأكثر مبيعاً حسب صحيفة نيويورك تايمز) وغيرها من الصحف العالمية. وعندما أقرأ الكتاب أجده سطحياً ولا يستحق كل هذا الزخم. والأغرب أن هذه العبارة انتشرت على معظم الكتب إلى درجة جعلتني أبحث عن الكتاب الذي لا يحظى بدعم إعلامي مبالغ فيه.
بحثت في الموضوع، فوجدت أن صحيفة «نيويورك تايمز» دافعت عن نفسها في قضية قانونية شهيرة، وادّعت أن «قائمة الكتب الأفضل مبيعاً» الخاصة بها ليست إحصاءً دقيقاً وصارماً لكل كتاب يُباع في البلاد، بل هي محتوى تحريري يخضع لتقييم محرري الصحيفة وتوقعاتهم وثقافتهم. إذاً فهو رأي ناشر لا أعرفه ولا أعرف ذائقته، وربما كان صديقاً لمؤلف الكتاب، أو تلقى هديةً أخجلته فأراد رد الجميل بمدح الكتاب في الصحيفة. كما أن نسب البيع لا تُحتسب عن طريق إحصاء الكتب المباعة عبر أمازون أو المتاجر الكبرى، بل تعتمد الصحيفة على متاجر ومكاتب مختارة تُبقي أسماءها سرية وتأخذ منها الأرقام. وحتى لو كان الكتاب ناجحاً حقاً واشتراه الآلاف، لكنه لم يكن يُباع في إحدى الجهات التي تعتمد عليها الصحيفة، فلن يدخل القائمة.
سأخوض في الحديث عن مثال نجح فعلاً. فـ جيه كيه رولينغ، أغنى مؤلفة في العالم، وهي صاحبة سلسلة هاري بوتر، بثروة تُقدّر بمليار دولار. وقد باعت السلسلة أكثر من 600 مليون نسخة حول العالم، لكن الثروة الحقيقية جاءت من حقوق الأفلام، ومدن يونيفرسال ستوديوز الترفيهية، ومبيعات البضائع والهدايا التي تحمل شعار السلسلة. تخيّل أن تبتكر شخصية يحبها العالم كله، ثم تحصل على أرباح خيالية بمجرد استخدام تلك الشخصية تجارياً.
طرحت سؤالاً على محركات البحث: «لماذا لا يصنع الكاتب العربي ثروة فاحشة من الكتب؟» فجاءت الأسباب مؤسفة. ويتصدرها أن الكتاب، ما إن يرى النور، حتى يُصوَّر بصيغة PDF ويُنشر مجاناً على الإنترنت، أو يُطبع في مطابع غير شرعية ويُباع على الأرصفة بربع السعر، من دون أن يحصل الكاتب على فلس واحد من بيعه. ثم يأتي سبب آخر، وهو أن الكاتب العربي يحصل على نسبة ربح لا تتجاوز 15 % من سعر غلاف الكتاب، بينما يذهب الباقي إلى دار النشر والموزع والمكتبات.
كما أن الطبعة الأولى للكتاب في الدول الغربية تتجاوز خمسين ألف نسخة، بينما تتراوح الطبعة الأولى لأي كتاب في عالمنا العربي بين ألف وثلاثة آلاف نسخة فقط، وقد يستغرق بيعها أشهراً أو حتى سنوات. وأخيراً، في أميركا والدول الأوروبية يوجد وكلاء يشترون حقوق الكتب ويسوقونها للمنصات العالمية والترجمات بعقود مليونية، وهو نظام يكاد يكون غائباً في العالم العربي.
وأخيراً، وهو الجانب الأكثر حزناً، أن ينتظر الكاتب مهرجاناً مهماً مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب، أو الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، أو جائزة كتارا، كي يحظى بالمبلغ الذي يُشعره بقيمة تعبه ويقدّر جهده في الكتابة. فهذه الجوائز والمهرجانات تُعد من المصادر المباشرة القليلة التي تمنح الكاتب العربي مكافأة مالية كبيرة، تتراوح بين 15 ألف دينار كويتي و60 ألف دينار. يحظى الكاتب بهذه الجائزة دون انتظار حسابات دور النشر التي قد تستغرق وقتاً طويلاً، وربما يموت الكاتب قبل أن يحصل على حقه كاملاً. ودون أن يقف، بكل أسى، محاولاً لفت انتباه آلاف الزوار في معرض يعج بالكتب؛ معظمها يحمل جمالاً مصطنعاً، وقليل منها فقط يحمل الجمال الحقيقي، لكنه لا يجد من يقدّر قيمته.