قيم ومبادئ

خياط لندن

تصغير
تكبير

الأخلاق وعلاقتها بالكساء علاقة التزام، ولا يخفيها تبدل الموضة، ولا تجديد الثوب والجديلة! غير أن لباس الأمم المجبولة على الحزم والشجاعة والعزم غير لباس الأمم المجبولة على الكسل والجبن والهوان! واختيار كل إنسان لملابسه وطريقة لبسها كفيل بالإبانة عن شخصه ومزاجه ودخائل نفسه وطبعه...

وقلما اختلفت الأمم قديماً في شيء اختلافها في الثياب والأزياء... فإنه ما من شيء تختلف به الأمم إلا وله أثر في لباس أبنائها وأسلوب تفصيل ذلك اللباس... فتباين الزي ينطوي في تباين الأقاليم والصناعة والمعيشة والعادة والحكم والتدين وطريقة التفكير...

وما من خطوة يخطوها الثوب من لدن كونه زرعاً في الأرض أو شعراً على جلد حيوان إلى أن يصبح لباساً للمسؤول والحقير والوضيع إلا ويتراءى فيها عِلم الأمة وقدرتها وذوقها وخبرتها ودستور حكمها ونظام المعيشة فيها... والغريب أنك تجد أن تغيّر الثياب أكثر تأثيراً وأعجب من تغيّر البيوت! وأن ذخيرة الإنسانية عن أزياء وحُلي والحُلل تربو على ذخيرتها من أساليب العمارة في كل جيل! وعلى هذا الأساس نفهم لماذا قال الشاعر الجاهلي امرؤ القيس:

تعلق قلبي في فتًى عربيةً

تنّعمُ في الديباج والحلي والحُلل

فمن لباسها فقط زادته فتنةً ومجوناً فوق مجونه، وجاهلية فوق جاهليته!

وقد تشِفُّ الثياب عن الجسم أو لا تشف، وقد تثقل على الإنسان أو تخفّ، ولكنها على جميع حالاتها تشفّ عن النفس البشرية أيما شفوف! وتمثلها أدق تمثيل، ولسنا نحصر الأمر في العفاف والصيانة والستر، ولا فيما يظنه الناس من نفع الثياب في زجر الشهوات وستر المغريات، وقد أخبرنا نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- عمن سيأتينا في زماننا هذا فقال: (صنفان من أهل النار لم أرهما...)، وعدّ منهما (نساء كاسيات عاريات)؛ فالنساء الكاسيات العاريات هن اللاتي يلبسن لباساً لا يسترهن، إما لقصره، وإما لرقته، وإما لضيقه حتى يجسد العورة، فهذه كاسية اسماً، عارية حقيقةً! فإن الأخلاق كلها على صلة مكينة بما يلبسه الرجال والنساء، للزينة أو الوقاية، وعلى مثال واحد في الإبانة عن مكنون النفوس، وإن اختلفت لغاتها ولهجاتها في التعبير...

وقد نرى -فضلاً عن هذا كله- أن الثياب زادت عوامل الإغراء والإغواء ولم تنقصها، وأضعفت العفة والصيانة ولم تحصنها؟ لأن المرء يزيد بها جماله ويستر قبحه... وهكذا تجد النساء المائلات المميلات... مائلات عن الاستقامة إلى الفواحش والمنكرات... يعني مائلات إلى ما حرم الله من الزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وليس هذا فقط بل (مميلات) أي مميلات للنساء الأخريات يدعُنّ إلى الفساد، ويُعلمن النساء الفواحش والخنا، ويشجعن على الفساد والإفساد...

يقول سافيل رو، الذي كان الخياط اللندني المفضل للملك إدوارد الثامن: «إن أكثر ما يتعبني من هؤلاء الناس تفصيل ملابسهم، أولئك الذين لا يبدو عليهم أنهم يحفلون بما يلبسون!»، بمعنى أنهم مهما زوّقوا من اللباس، وأسرفوا فيه، فإن هذا لا يرضي نزوتهم المريضة! وهذه ملاحظة يعرفها كل خائط فالملابس تقول كلاماً، وهو أن الملابس الثرثارة والأزياء البليغة المرصعة بالمخلوعات تُخفي تحتها أشباحاً ميتة، وأرواحاً متناقضةً مليئة بالغرور والطيش، والجد والهزل.

ومن هذه الملابس ما يُنعت بالعقل والكياسة، ومنها ما يُنعت بالخرق والتياسة... ومنها ما يُحيَّى تحيةَ إكبار، ومنها ما يُدخِل الجنة التي وُعد المتقون، ومنها ما يُذهِب إلى النار التي يَصْلاها الكافرون... فهي أشباح وأطياف وأجسام وأفكار وليست بالخيوط البالية والنسيج والحرير! فهذا نابليون يفضل ارتداء المعطف الرمادي والزي العسكري البسيط ليكون قريباً من جنوده ويقول «لو كان الانتصار يعتمد على أناقة الزي لكان الخياطون أعظم قادة».

تذكرت هنا وأنا أقارن صور الزعماء وترسانة النياشين على أكتافهم وصدورهم! وحال بلادهم من سيئ إلى أسوأ بهذه الأزياء العسكرية! يوجد في علم النفس مفهوم يُسمى (الإدراك المجسد)، ويقصد به أن ما يلبسه الإنسان يؤثر في طريقة تفكيره وسلوكه، عندما يرتبط اللباس بمعنى معين في ذهنه... ولهذا نهى الإسلام عن لباس الشُهرة، الذي يقود إلى الكِبر والخيلاء، وفي الحديث: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة)، وأفضل ما يتزين به الإنسان قوله تعالى: «ولباس التقوى ذلك خير».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي