ليس في التاريخ ما يدعو إلى تمجيد الحروب، ولا في ذاكرة الشعوب ما يغري بتكرارها.
فالحرب، مهما تعدّدت مبرراتها، تبقى الخيار الأكثر كلفة على الإنسان والدولة والتنمية والاستقرار. ... ما ان تنفس العالم الصعداء بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية للوصول إلى اتفاق نهائي ينهي حالة اللاستقرار في المنطقة وحالة العداء التي انتهجتها إيران تجاه دول الجوار بحججٍ واهية - رجعنا إلى المربع الأول... إيران تغلق المضيق وتهاجم السفن التجارية، تقابله الولايات المتحدة الأميركية بهجمات عسكرية على مواقع إيرانية لتبدأ السمفونية الإيرانية بالعزف بصواريخها ومسيّراتها على دولة الكويت ومملكة البحرين، ويعزف الحرس الثوري معزوفته المعتادة بتهديد دول الجوار بأسرها!
هنا نقول إنّ الحمقى فهموا سياسة اللين والدبلوماسية المرنة بالمفهوم الخاطئ، وأن المأسوف عليه ليس هم بل الشعب الإيراني الصديق .
السياسة الإيرانية الحالية تسير في اتجاه مغاير تماماً، ففي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية تفتح نافذة للأمل، جاءت مواقفها وتصرفاتها برسائل تصعيدية، سواء عبر إغلاق المضيق أو من خلال ضرب السفن التجارية وما تبع ذلك من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر استمرار نهج الاعتماد على أدوات النفوذ العسكري خارج الحدود. وهي سياسات لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن تداعياتها الخطيرة على أمن المنطقة واستقرارها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا تريد إيران؟
إذا كانت تسعى إلى رفع العقوبات، وجذب الاستثمارات، واستعادة مكانتها الاقتصادية، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر بناء الثقة مع المجتمع الدولي ومع محيطها الإقليمي، لا عبر سياسات التصعيد. أما إذا استمرت في إرسال إشارات متناقضة بين التفاوض والمواجهة، فإنها تخاطر بإهدار الفرص التي أتاحتها الدبلوماسية، وتدفع المنطقة نحو دورة جديدة من الاستقطاب قد يصعب احتواؤها. وليس من مصلحة أحد أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة. فلا إيران ستخرج بمنأى عن آثار أي حرب، ولا دول الجوار ستكون بعيدة عن تداعياتها، ولا الاقتصاد العالمي سيتحمل اضطراباً جديداً في أسواق الطاقة والملاحة.
إن الجميع سيكون خاسراً، وإن تفاوتت درجات الخسارة.
لقد آن الأوان لأن تنتقل السياسة الإيرانية من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الاستقرار، ومن توظيف النفوذ العسكري إلى بناء الشراكات السياسية والاقتصادية.
إيران اليوم أحوج ما تكون إلى قادة يغلّبون الحكمة على الانفعال، ويقدمون المصالح الوطنية والإقليمية على حسابات التصعيد. فالتحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجه شعوب المنطقة أكبر من أن تُستهلك في نزاعات مفتوحة، وأجيال المستقبل تستحق أن ترث بيئة أكثر أمناً واستقراراً، لا ساحات جديدة للصراع.