رأيتني في حلم غريب... كأنني داخل ملعب لا يشبه الملاعب. المدرجات لم تكن مدرجات عادية، بل كانت شرفات مصرية وعربية ممتدة من القاهرة إلى الخليج، من الإسكندرية إلى الرباط، من الكويت إلى جدة، ومن كلّ بيت عربي كان هناك قلب ينتظر.
كانت مصر تلعب أمام الأرجنتين، بطل العالم. لم يكن الحلم مجرد مباراة، بل كان امتحاناً للروح، واختباراً لقميص يعرف كيف ينهض حين يظنّ الآخرون أنه جاء ليودّع مُبكّراً.
في الحلم، دخل منتخب مصر لا يحمل خوفاً، بل يحمل تاريخاً ووجعاً وأملاً. ركض اللاعبون كأنهم يركضون باسم كلّ مصري وعربي آمن أن الكبار لا يولدون كباراً إلى الأبد، وأن الملعب أحياناً يُنصف من يقاتل، لا من يملك الاسم الأكبر.
تقدّمت مصر... فاشتعل الحلم.
رأيت الشوارع تهتف، والبيوت ترتجف من الفرح، والعيون العربية تلمع كأن هدف مصر لم يكن لمصر وحدها، بل كان هدفاً لكلّ عربي تعب من الانحناء أمام الأسماء الكبيرة. للحظات، شعرنا أن التاريخ يفتح بابه، وأن بطل العالم بدأ يتألّم، وأن مصر لا تلاعب الأرجنتين... بل تجرّه إلى معركة لم يكن مُستعدّاً لها.
لكن في زاوية الحلم، كان هناك رجل بصفارة لا تشبه العدل.
كلّما اقتربت مصر من الحلم، ضاقت صافرة الحكم. كلّ التحاماتهم تمرّ، وكلّ اعتراضاتهم تُسمع، وكلّ سقوط لهم يتحوّل إلى قرار. أمّا مصر، فكانت تحتاج أن تُضرب مرتين كي تحصل على نصف حق. شعرت في الحلم أن الحكم لا يدير مباراة، بل يُحاول أن يدفع مصر خارج الحكاية، كأنّ وجودها بين الكبار أزعج حسابات لا نعرفها.
ومع ذلك، لم تنكسر مصر.
قاتلت. تقدّمت. تألّمت. عادت. صمدت. ووقفت أمام بطل العالم بندّية جعلت الخسارة نفسها ترتبك: هل هي خسارة حقاً، أم شهادة ميلاد جديدة لفريق أوجع الكبار؟
ثم جاءت صافرة النهاية... قاسية كأنها باب أُغلق على حلم لم يكتمل.
استيقظت وأنا حزين، لكنّني لم أكن مُنكسراً. كان في صدري وجع، نعم، لكنه وجع الفخر. لأن مصر لم تخرج صغيرة، ولم تخرج صامتة، ولم تخرج بلا أثر. خرجت بعدما قالت للعالم إن المصريين والعرب حين يحلمون بصدق، يستطيعون أن يجعلوا بطل العالم ينظر خلفه بخوف.
نعم، خسرنا المباراة. نعم، ظُلمنا بقرارات تحتاج إلى ألف سؤال. نعم، كان الحلم قريباً حتى كاد يُلامس أيدينا.
لكن يا منتخب مصر... أنتم لم تخذلونا.
أوجعتمونا لأنّنا كنا قريبين جداً، لكنّكم رفعتم رؤوس المصريين والعرب. خسرتم نتيجة، لكنّكم كسبتم احتراماً لا تمنحه اللوحات الإلكترونية.
بعض الأحلام لا تنتهي عند الاستيقاظ... بعضها يتحوّل إلى وعد.
ومصر، حين تُودّع حلماً، لا تُودّعه مُنكسرة... بل تتركه واقفاً على الباب، ينتظر العودة.