أبعاد السطور

لا تكن دائماً متاحاً

تصغير
تكبير

في زمن أصبح فيه كل شيء متاحاً على بعد نقرة — الوجوه، الأفكار، المشاعر، وحتى الذوات — تراجعت قيمة الحضور نفسه. ما يُقدَّم بلا حدود يفقد سحره، واللقاء الذي لا يُنتظر يصبح روتيناً بلا طعم. هنا يبرز الغياب المدروس كفن رفيع، ليس انسحاباً، بل إستراتيجية وجودية تحمي الذات وتُعيد للحضور وزنه وعمقه.

لماذا يفقد الحضور المستمر قيمته؟

الإنسان المتاح دائماً يتحوّل إلى «ماء مراق على الأرض»، كما قال بعض الحكماء. يُستهلك دون أن يُلاحَظ. الوعي بالمسافة هو الذي يجعل العلاقات حية: المسافة تولد الشوق، والشوق يُعيد اكتشاف القيمة. الحضور بلا غياب كالضوء بلا ظل — يبهر للحظة ثم يفقد تأثيره.

نماذج تاريخية تُجسّد شجاعة الغياب:

عبدالله بن المبارك (736–797م) كان عالماً زاهداً ومحدّثاً بارزاً. سُئل يوماً: «لماذا لا تجلس معنا بعد الصلاة؟» فأجاب: «أذهب لأجلس مع الصحابة والتابعين في كتبهم، فماذا أصنع بكم وأنتم تغتابون الناس؟». غيابه لم يكن كسلاً، بل اختياراً واعياً للرفقة التي ترفع روحه.

أنطون تشيخوف، انتقل عام 1892 إلى مليخوفو في الريف الروسي، بعيداً عن صخب موسكو. هناك، كطبيب وكاتب، استلهم من حياة القرى أعمالاً خالدة مثل «النورس» و«العم فانيا». الغياب عن المراكز الأدبية أعطاه رؤية أعمق للإنسان.

فرناندو بيسوا، عاش في لشبونة، عزلة اختيارية دامت ثلاثين عاماً تقريباً، متنقلاً بين غرف مستأجرة ومقاهٍ قليلة. من هذه العزلة ولدت «الهيتيرونيمات» — الشخصيات الشعرية المتعددة — التي أعاد بها تعريف مفهوم الذات في الأدب الحداثي.

جبران خليل جبران، اختار العزلة في أميركا وأوروبا، قائلاً في رسائله: «أجد راحتي في الانفراد عن الناس، ففي العزلة أستطيع أن أفكر بحرية وأكتب كما أحب».

أبوحامد الغزالي، ترك ذروة مجده في المدرسة النظامية ببغداد عام 1095م، ودخل في خلوة استمرت نحو عشر سنوات بين دمشق والقدس وطوس. خرج منها بكتاب «إحياء علوم الدين» — أحد الأعمال في تجديد الفكر الإسلامي. كانت عزلته ليست هروباً، بل تهذيباً للنفس ومراجعة جذرية.

حكاية الطائر والشجرة

طائر اعتاد زيارة شجرة كل صباح. ألفت الشجرة صوته فلم تعد تصغي. غاب الطائر أياماً، فعاد الصمت، ولما رجع أنصتت له الشجرة كأنها تسمعه للمرة الأولى. الغياب يُعيد ترتيب الأولويات.

كيف نمارس الغياب المدروس في عصرنا؟

• اختر لحظات حضورك بعناية، وتجنّب التواجد في كل مناسبة بلا معنى.

• امنح نفسك فترات انقطاع عن وسائل التواصل والاجتماعات الرتيبة.

• استثمر الغياب في القراءة العميقة، التأمل، أو اكتشاف هوايات جديدة.

• استخدمه لتقييم العلاقات: مَنْ يفتقدك حقاً، ومَنْ يعامل وجودك كأمر مفروغ منه؟

الغياب ليس رفضاً للناس، بل احتراماً عميقاً للذات ولقيمة ما تقدمه. إنه يحوّلك من «متاح دائماً» إلى «ثمين حين يحضر».

لا تكن دائماً متاحاً.

احضر حين يكون للحضور وزن، و غِبْ حين يصبح العطاء استنزافاً. كن حاضراً بقوة حين تحضر، وغائباً بوعي حين تغيب.

كن كالقمر في ليالي التمام: لا يظهر كل ليلة، لكنه حين يطلّ يملأ السماء بنوره ويأسر كل الأنظار. أولئك الذين يمتلكون شجاعة الغياب هم وحدهم مَنْ يعيشون وجوداً حقيقياً، عميقاً، وخالداً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي