مي زيادة... هل قتلت حبيبها؟

تصغير
تكبير

ليست كل قصص الحب تنتهي بالزواج، وليست كل النهايات المؤلمة تعني أن أحد العاشقين كان مذنباً والآخر بريئاً. فبعض القصص تقتلها الظروف، وبعضها تقتلها المسافات، وبعضها يقتلها الخوف من المجهول.

ومن أجمل قصص الحب في الأدب العربي الحديث قصة الأديبة الفلسطينية اللبنانية مي زيادة (1886-1941) والأديب العالمي جبران خليل جبران (1883-1931). علاقة استمرت ما يقارب عشرين عاماً، لم تجمع بينهما غرفة واحدة ولا مقهى واحد، وإنما جمعت بينهما الرسائل وحدها، حتى أصبحت تلك الرسائل من أجمل ما كُتب في أدب الحب الإنساني.

كان جبران في نيويورك، وكانت مي في القاهرة، وبين المدينتين بحر واسع، لكن الكلمة كانت تعبره كلما حمل البريد رسالة جديدة.

لقد أحبها جبران حباً صادقاً، ورأى فيها المرأة التي خاطبت روحه قبل قلبه، ولم يكن يخفي شوقه إليها، حتى أنه بعث إليها في آخر رسائله مقاطع من قصيدته التي عُرفت لاحقاً بصوت فيروز:

أعطني الناي وغنِّ

فالغناء سرُّ الوجود

وأنينُ الناي يبقى

بعد أن يفنى الوجود.

ولم يكن الناي هنا مجرد آلة موسيقية، بل رمزاً للروح التي تبقى حين يفنى الجسد، وللحب الذي يتجاوز حدود المكان والزمن.

ومع ذلك بقي اللقاء حلماً مؤجلاً.

كان جبران يتمنى أن تأتي إليه إلى أميركا، وكانت مي ترى أن ترك القاهرة وصالونها الأدبي، الذي كان يجمع كبار مفكري عصرها، يعني التخلي عن رسالتها الثقافية.

وهنا بدأت المسافة تكبر، لا بين نيويورك والقاهرة، بل بين الحلم والواقع.

وأحسب أن الغيرة لعبت دوراً في تردد مي؛ فقد كان جبران معروفاً بعلاقاته الإنسانية الواسعة، بينما كانت مي تخشى أن تكون اسماً آخر في حياة شاعر أحبته بكل إخلاص.

وفي المقابل، يمكن أن نلوم جبران أيضاً؛ فقد اكتفى سنوات طويلة بالرسائل، بينما كان يستطيع أن يقطع البحر ليطرق باب بيتها في القاهرة ويطلب يدها كما يفعل العاشقون.

فالحب الحقيقي لا يعيش على الورق وحده.

ولهذا لا أستطيع أن أقول إن مي، وحدها قتلت الحب، ولا إن جبران، وحده فرّط فيه، بل أقول إن الحب بينهما مات ببطء بين التردد والمسافة، وبين كبرياء العاشقين وقسوة القدر.

لقد خسر الأدب العربي زواجاً كان يمكن أن يكون من أجمل زيجات القرن العشرين، لكنه ربح واحدة من أعظم رسائل الحب التي عرفها الأدب.

واليوم، في زمن الهواتف الذكية ووسائل التواصل، قد يصعب علينا أن نتخيل مقدار الشوق الذي كان يختبئ بين رسالة ورسالة، أو كم كانت الأيام ثقيلة على قلب ينتظر ساعي البريد.

لقد كانت الرسالة آنذاك موعداً، وكانت الورقة وطناً، وكان الحبر نبض قلب.

رحم الله جبران ومي؛ فقد جمعتهما الكلمة، وفرّق بينهما الواقع.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي