لم تبخل الكويت يوماً على شبابها، بل تعتبرهم ثروتها التي لا تنضب، ومستقبلها الذي لن يبنى إلّا بسواعدهم، إذ تزرع فيهم اليوم بذور التمكين، ليحصد الوطن غداً صروح المجد.
ومن واقع تجربتي مع هيئة الشباب، وجدتها تؤمن بأن شباب الكويت شركاء أساسيون في التنمية والازدهار، ويملكون القدرة على القيادة والإبداع والابتكار.
في أواخر أبريل الماضي أطلقت هيئة الشباب بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي برنامج «سفراء السلام»، تطبيقاً وتنفيذاً لقراري مجلس الأمن رقم 2250 و1325، واللذين ينصان على إشراك المرأة والشباب في حل النزاعات وإحلال السلام.
تقدم نحو 200 شاب والعدد المطلوب 50 فقط، هذا التحدي لم يثنِ هيئة الشباب، بل ذللوا العقبات وقبول جميع المتقدمين على أربع دفعات.
قُبلتُ في صفوف الدفعة الثانية، واستقبلنا الأستاذ الكريم دهام الدهام، برحابة صدر، وبشاشة وجه.
كان اليوم الأول شيقاً، فتعرفنا إلى مصطلح «الشباب»، وأهمية دورهم في تنمية البلاد، وعلى أهم بنود قراري مجلس الأمن رقم 2250 و1325.
وما أن جاء اليوم الثاني حتى برزت الأسئلة المهمة، من هو سفير السلام؟ وما هي صفاته؟ وما هي المرتكزات التي يجب أن تتوافر له؟ وكيف يكون خطابه؟
وهل تقوم الحكومات بمنح لقب سفير السلام للأفراد؟
هذه ليست أسئلة بسيطة كما يبدو لك، فإجابتها عميقة جداً، وسوف أختزل الإجابات قدر المستطاع.
سفير السلام ليس شخصيةٍ حكومية، ولكن لا يمنع ذلك أن تمنح الحكومات هذا اللقب لمن يسلّط الضوء على قضايا -أي نوع من القضايا- مهمة تحتاج إلى علاج فوري.
إذاً، فسفير السلام هو مبادر مجتمعي مقدام، فهو لا ينتظر أن يطلب منه العمل، بل يبادر إليه، لأنه إنسان، والإنسان بمعناه الكامل، هو من يفعل الخير من أجل الخير.
وأما الصفات التي يجب أن تتوافر في سفير السلام فهي ستُّ صفات.
أولها وأهمها القبول؛ عند الأطراف المتنازعة، وثانيها الحُلم: وهي سعة الصدر وضبط النفس عند الغضب، وثالثها: القدرة على الحوار وبناء التواصل الفعال وتحويل النزاعات إلى تفاهمات، والرابعة: هي الإقدام والمبادرة وقد ذكرناها سابقا، والخامسة: القدرة على الإبداع بتجاوز العقبات، وابتكار الحلول غير التقليدية، وأما الصفة الأخيرة والأهم فهي احترامه للجميع، فلا يزدري أو يستحقر أي فئة من فئات المجتمع، لأن سفير السلام عليه أن يؤمن بأن المجتمع عبارة عن شراكة، وليست حكراً على أحد.
وأما مجلس الأمن فقد وضع خمسة مرتكزات يلتزم بها سفير السلام، مع ضرورة أن توفرها له الدولة المستضيفة.
أولاً: تكون المشاركة مع جهات تمتلك القرار فعلياً، وثانياً: توفير الحماية للشباب الذي يمارس دوره في تحقيق السلام ونبذ النزاع، وثالثاً: الوقاية عبر التوعية القانونية والتوجيه الفعلي للمشاركين في تحقيق السلام، ورابعاً: بناء الشراكات عبر المؤسسات الحكومية والأهلية، كالدعم المادي والإعلامي والمعنوي، أما خامساً: فإعادة إدماج جميع الفئات المتضررة بسبب العنف وويلات الحرب من جانب نفسي، وتعليمي، واجتماعي، دون تمييز، ووفق خصوصية المجتمع نفسه.
وأما خطابه فخطاب وئام، لأن الخطاب يحرك العواطف والعقول، فمن المهم أن يكون خطابه خطاب تصالح ومودة، لا خطاب كراهية ونفور.
إذاً، هدف سفير السلام ليس بسيطاً، فهو يسعى إلى تقريب ونبذ التفريق.
فيجب أن تكون لغته شاملة ومحترمة لا عدوانية ولا تعميمية. وأن يبني جسور الثقة والتماسك بينه وبين المتنازعين حتى يستأصل الخوف والتنافر في ما بينهم.
هل هذا كل شيء؟
لا، فهيئة الشباب لم تكتفِ بالتدريب النظري، فهبت لتتعاون مع بيت الأمم المتحدة في الكويت، لتمنح الشباب فرصة لتطبيق ما تعلموه.
كيف؟ هذا ما سوف نذكره في مقالنا المقبل.
X:ha_t965