تُقدَّر بأكثر من ملياري دولار الخسارة اليومية لدول الخليج الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، والذي يُعد ممراً مائياً حيوياً لتدفق أكثر من 17 مليون برميل يومياً من النفط إلى العالم، أي ما يعادل نحو 20 % من الطلب العالمي اليومي على النفط الخام ومشتقاته والغاز. وقد أدى هذا الإغلاق إلى ارتفاع أسعار النفط، حيث تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل، بينما بلغ سعر خام الأورال الروسي نحو 117 دولاراً للبرميل، ليصبح تقريباً النفط الأكثر تداولاً في الأسواق العالمية في ظل غياب نفوط الخليج العربي، إلى جانب نفوط أوروبا (برنت) والنفط الأميركي المتداولة يومياً.
وتُعد القارة الآسيوية الأكثر تضرراً من إغلاق المضيق بنسبة تقارب 80 %، خاصة الدول الكبرى مثل الصين وكوريا الجنوبية والهند واليابان، في حين تستحوذ أوروبا على ما بين 4 % إلى 6 % من إجمالي صادرات نفط الخليج العربي. وتشهد الدول الآسيوية تزايداً مستمراً في الطلب على النفط نتيجة النمو السكاني والصناعي، وذلك رغم الإجراءات الحكومية الهادفة إلى تقليل الاستهلاك. ومع تعطل سلاسل الإمداد بسبب إغلاق المضيق، يُتوقع أن يرتفع الطلب الآسيوي مجدداً عند إعادة فتحه وعودة الإمدادات، ما سيؤدي لاحقاً إلى استقرار الأسعار وعودتها إلى مستوياتها السابقة، وإن كان ذلك قد يستغرق بعض الوقت، خصوصاً مع حاجة العديد من الدول إلى إعادة ملء خزاناتها النفطية، كما قد تتجه بعض الدول إلى زيادة سعات التخزين الإستراتيجي بعد هذه التجربة.
ولا يبدو أن التوجه نحو إيجاد بدائل للنفط يمثل حلاً فعّالاً في الوقت الراهن، خاصة مع تراجع بعض الشركات النفطية الكبرى عن الاستثمار في هذا المجال؛ ومن أبرز الأمثلة شركة «بي بي» البريطانية التي أعلنت أخيراً تقليص استثماراتها في الطاقة البديلة والعودة إلى التركيز على النفط، بعد تكبدها نفقات كبيرة في أبحاث الطاقة الشمسية وغيرها من البدائل.
وتشير المعطيات الحالية إلى وجود أكثر من 30 ناقلة نفط، بسعة تصل إلى مليوني برميل لكل منها، متجهة إلى الولايات المتحدة لشحن النفط الأميركي إلى مختلف أنحاء العالم، وذلك نتيجة توقف الإمدادات الخليجية المقدّرة بأكثر من 17 مليون برميل يومياً. وقد تجاوزت صادرات الولايات المتحدة 5 ملايين برميل يومياً، وهو رقم قياسي غير مسبوق، إلا أنه من غير المتوقع استمرار هذا المستوى لفترة طويلة، خاصة مع اقتراب موسم الصيف وزيادة الطلب المحلي على الوقود داخل الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تعود الأسواق للاعتماد على نفط الخليج العربي من حيث الجودة والتسعير مع إعادة فتح المضيق، ما سيؤدي إلى تراجع الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية.
ولا يُعد إغلاق المضيق أمراً بسيطاً، إذ تخسر دول الخليج العربي مجتمعة نحو ملياري دولار يومياً من الإيرادات النقدية. ولتعويض هذه الخسائر، يتعين على هذه الدول الإسراع في زيادة إنتاجها النفطي مستفيدة من طاقتها الإنتاجية الفائضة، خاصة في ظل حاجة الدول المستهلكة إلى إعادة ملء مخزوناتها التجارية والإستراتيجية. كما ينبغي على دول الخليج العمل على إيجاد آلية دولية تضمن عدم إغلاق مضيق هرمز، باعتباره ممراً حيوياً ومورداً عالمياً للطاقة، لا يجوز أن يخضع لسيطرة دولة واحدة تتحكم في فتحه أو إغلاقه بشكل منفرد دون مراعاة مصالح بقية الدول المطلة عليه.
ويُطرح في هذا السياق تساؤل حول مدى ضرورة اللجوء إلى المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، للتدخل ووقف الاستفزازات غير القانونية، كما يبرز تساؤل آخر حول ما إذا كانت إيران قد استفادت من إغلاق موانئها ومنافذها البحرية، وتعلمت أن مضيق هرمز ملك لجميع الدول وليس من حق دولة واحدة التحكم فيه. وأخيراً، يظل السؤال الأهم: هل استوعب العالم الدرس، ولماذا يتم الاعتداء على أحد أهم مبادئ النظام الدولي، وهو حرية الملاحة؟
كاتب ومحلل نفطي مستقل