لم تعد السياحة مجرد ترفيه أو استكشاف، بل تحولت إلى صناعة اقتصادية تقودها الأرقام. ومن أبرز ملامح هذا التحول صعود السياحة الرياضية، التي باتت تمثل نحو 10 في المئة من إجمالي السياحة العالمية في 2025، بقيمة تتراوح بين 700 و800 مليار دولار. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نشاط ترفيهي، بل تؤكد أن الرياضة أصبحت محركاً اقتصادياً واستثمارياً مؤثراً، خاصة مع الشعبية الجارفة للدوريات الأوروبية وعلى رأسها الدوري الإنجليزي الممتاز.
ولم يعد السائح الكويتي والخليجي يكتفي بالتسوق أو الاستجمام، بل أصبحت السياحة الرياضية جزءاً أساسياً من قرارات السفر خلال الإجازات، مدفوعة بشغف متابعة الأندية الأوروبية الكبرى. هذا الاهتمام انعكس في انتشار روابط المشجعين الرسمية وغير الرسمية، إلى جانب البرامج الرياضية المتخصصة التي تواكب الدوريات الأوروبية بشكل يومي، ما عزز من ارتباط الجمهور الخليجي بالمشهد الرياضي العالمي، ليس كمشاهد فقط بل كجزء من منظومته.
بالمقابل، لم يعد حلم الشاب الكويتي مقتصراً على التشجيع، بل تطور ليصل إلى الملكية والتأثير. فاليوم، يتطلع كثير من الشباب إلى رؤية ملكية كويتية لنادٍ أوروبي، على غرار تجارب Manchester City وNewcastle United وParis Saint-Germain، والتي تقف خلفها استثمارات خليجية بدعم حكومي. هذا الطموح لم يعد بعيداً، بل بدأ يتحقق فعلياً عبر مبادرات يقودها القطاع الخاص الكويتي بعقلية استثمارية ناضجة.
في هذا السياق، تبرز قصة نادي Milton Keynes Dons، بعد استحواذ تحالف كويتي بقيادة فهد علي الغانم، بنسبة 100 في المئة على النادي وأصوله، بما يشمل ملعبه وفندق Hilton Milton Keynes ومرافق متعددة، في خطوة تعكس فهماً استثمارياً يتجاوز حدود الرياضة إلى مشروع اقتصادي متكامل.
ويضم مجلس الإدارة نخبة من الكفاءات الكويتية: فهد علي الغانم، رئيساً، حمد عبدالمحسن المرزوق، نائباً للرئيس، وعضوية كل من مشعل جاسم المرزوق وكريم كرم. هذا التشكيل لم يأتِ مصادفة، بل امتداد لخبرات استثمارية عميقة، لاسيما ارتباط الغانم، بقيادته لـشركة أعيان للإجارة والاستثمار، التي تمتلك حضوراً قوياً في السوق العقاري البريطاني، خصوصاً في مدينة Milton Keynes، ما يعزز التكامل بين الاستثمار العقاري والرياضي والسياحي في آن واحد.
اختيار ميلتون كينز، تحديداً يعكس ذكاءً استثمارياً؛ فهي مدينة مفضلة للكويتيين والخليجيين منذ أكثر من 20 عاماً، وتُعد وجهة سكنية وسياحية بارزة، إلى جانب بنيتها التحتية القوية واقتصادها النشط. هذا الترابط بين الموقع والجمهور ورأس المال يخلق قيمة مضافة للنادي تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وعلى المستوى الشخصي، زرت النادي في أكتوبر 2024، ولمست عن قرب حجم الحماس لدى الجماهير وثقتهم بالإدارة الكويتية الجديدة. كان هناك شعور واضح بأن النادي مقبل على مرحلة مختلفة، وهو ما تحقق سريعاً على أرض الواقع، بعد أن نجح الفريق في الصعود إلى دوري الدرجة الأولى، ليقترب خطوة جديدة من الهدف الأكبر: المنافسة على التأهل إلى «التشامبيونشيب»، ومن ثم الوصول إلى الدوري الإنكليزي الممتاز.
ما يحدث اليوم ليس مجرد نجاح رياضي، بل نموذج استثماري كويتي يُدرّس، يجمع بين الرؤية، والإدارة، والقدرة على تحويل الشغف إلى مشروع اقتصادي ناجح. إنها قصة تؤكد أن الكويتي قادر على المنافسة عالمياً، ليس فقط كمشجع... بل كمالك وصانع قرار.
باختصار، نادي Milton Keynes Dons لم يعد مجرد فريق... بل أصبح منصة ترفع اسم الكويت، وتكتب فصلاً جديداً من الفخر الوطني المبني على الاستثمار الذكي.