في كتاب فن الحرب لـ سون تزو، هناك درس يقول (أعظم انتصار هو الذي يتحقق دون قتال). وهو ينطبق على ما يحدث في المهلة الموقتة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية حيث لا يسعى كل طرف بالضرورة إلى الحرب المباشرة، بل إلى تحقيق مكاسب عبر الضغط والمناوشة والتفاوض وكسب الوقت، أي عبر «المهلة» نفسها كوسيلة أو كأداة صراع وليس حلاً نهائياً! لأن في كل مرة تُعلن فيها «مهلة» جديدة يتشكل انطباع أولي بأن المنطقة تتجه نحو التهدئة، لكن القراءة الأعمق والفهم الأدق تكشف أن هذه المهلات ليست سوى أدوات لإدارة الصراع لا حله، إذ تُستخدم كمساحة زمنية لإعادة ضبط التوازنات وامتصاص الضغوط والبحث عن عناصر القوة لكل طرف وتلافي عناصر الضعف، وذلك دون تقديم تنازلات جوهرية أو سلام دائم في المنطقة!
فالولايات المتحدة تتعامل مع المهلة كخيار تكتيكي يحقق لها أهدافاً عدة في آن واحد، وهي تتجنب الانخراط في الحرب المباشرة الشاملة لأنها مكلفة سياسياً وعسكرياً إلى جانب إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، وهو ما يمنحها مرونة في التصعيد أو التهدئة بناءً على تطور المصالح، وفي المقابل، تنظر إيران إلى هذه المهلات ضمن إطار إعادة توزيع القوة حيث لا تسعى إلا إلى كسب الوقت فقط مستفيدة من شبكة نفوذها غير المباشر في المنطقة ومنها الميليشيات الموالية لها، وهي تحاول إرسال رسائل ضغط متعددة المستويات دون الدخول في مواجهة تقليدية شاملة، وبالتالي تتحول هذه المهلة إلى ساحة صراع تُدار فيها الرسائل السياسية والعسكرية بين الطرفين.
فإن أحد السيناريوهات القوية أن يتم الاستمرار في المنطقة الرمادية إن جاز التعبير حيث يتم تمديد المهلة بشكل متكرّر مع الحفاظ على مستوى منخفض من التوتر والتلاعب الدبلوماسي والعسكري يسمح لكل طرف بالحفاظ على صورته أمام شعبه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة وحاسمة.
والصراع أثناء المهلة وقبلها وبعدها يشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والنفوذ الإقليمي والتسليح والحرب السيبرانية، وهو ما يعني أن التهدئة في جانب قد تتزامن مع تصعيد في جانب آخر، وبالتالي فإن الهدوء الظاهري الذي تخلقه المهلة يعتبر مضللاً أو أشبه بخدعة دبلوماسية لأنه يخفي تحته صراعاً مستمراً كما أن هذه المهلات تمنح الأطراف فرصة لإعادة تعريف خطوطها الحمراء، واختبار حدود الطرف الآخر وقوته ونفوذه الفعلي دون تجاوزها بالكامل.
أما على مستوى منطقة الخليج العربي فإن تأثير هذه المهلات يتجاوز الطرفين ليشمل دول الخليج، ومنها الكويت التي تجد نفسها في موقع حساس لمراقبة التصعيد والاستفادة الموقتة من الاستقرار، فكل مهلة تعني انخفاضاً نسبياً في التوتر وطمأنة للأسواق، خصوصاً في ما يتعلق بأسعار النفط وأمن مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه لا تلغي المخاطر، فقد تستمر إيران بالهجوم والعدوان فالوضع لا يدعو للثقة بها!
والخلاصة فإن القراءة التحليلية للمهلة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية ليست مرحلة انتقالية نحو السلام بقدر ما هي جزء من بنية وتكتيك الصراع نفسه، وقد تُستخدم لتغيير إيقاعه لا لإنهائه، فهي تشبه هدنة غير معلنة تُدار فيها المصالح بحذر، وترقب وتُؤجل فيها المواجهات دون أن تُلغى. والمهم هنا هو أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي دون التأثر السلبي بمشاريع ومصالح الدول المتصارعة في المنطقة. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.
X@alsadhankw