دبلوماسية الهواتف الحمر بعد «الأربعاء الأسود» أثمرت... ترامب طلب من نتنياهو تخفيف ضرباته للمساعدة بنجاح المفاوضات مع إيران
إسرائيل تفتح الباب أمام «تَفاوُضٍ مباشر» يريده لبنان مع وقف النار
- الحكومة قررت جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح وطلبت المباشرة بالتنفيذ فوراً
- عون: الدولة هي التي تفاوض عن نفسها ولا تقبل أن يفاوض أي أحد سوانا عنا
- معارك ضارية في قلب بنت جبيل... واغتيال السكرتير الشخصي لنعيم قاسم
- بيروت المفجوعة تُنكّس عيونها في يوم «المقابر المفتوحة»
- تحذيرات الإخلاء تطول الجناح الخاصرة الجنوبية لبيروت... وتتسبب بطفرة كبيرة من النزوح
- كاتس هدّد بشن هجوم جوي وفقاً للنموذج الإيراني على «حزب الله» في كل أنحاء لبنان
على وقع دبلوماسية «الهواتف الحمر» متعددة الطرف التي سعتْ إلى احتواء «زلزال النار» الذي ضرب لبنان وعاصمتَه بيروت في أربعاء «الظلام الأبدي» والحؤول دون إسقاطه باكراً مسارَ إنهاء الحرب مع إيران، وقّعتْ إسرائيل مجدداً إصرارها على فَصْلِ جبهة «حزب الله» عن المعركة الأمّ والهدنة الهشّة التي تمهّد لمفاوضاتٍ فائقة الصعوبة بين واشنطن وطهران في الساعات المقبلة تَستضيفها باكستان وستُفْضي إما إلى الانفراج المستدام وإما الانفجار الجديد، وهذه المرة... الأخير.
وفيما كانت العاصمةُ اللبنانيةُ لاتزال تحت تأثيرِ الذهولِ والصدمةِ اللذيْن قَبَضا على قلْبها مع طوفانِ الغاراتِ التي أَغْرَقَتْها - بعد ساعاتٍ من إعلان وَقْفِ النار مع إيران - في بحرٍ من الدماء التي سالتْ فوق ركامِ عشراتِ الأبنية في عدد كبير من مناطقها الآمنة، ثبّتتْ إسرائيل بقرار توسيع دائرة الإخلاءات في محيط بيروت لتشمل منطقة الجناح للمرة الأولى منذ 5 مارس، جبهةَ لبنان بوصْفها قائمة في ذاتها وخاضعة لدينامية عسكرية تحدّد هي وحدها جرعاتها، تصعيداً وتجميداً، تبعاً لمقتضياتِ تحوّل هذه الجبهة المحور الرئيسي في حربٍ يُراد أن تعوّض بالحد الأدنى وقف القتال مع طهران القديمة - الجديدة - بحال حصل اتفاق - أو تلاقي احتمال استئناف المواجهة بعد أسبوعين أو أقلّ بوقائع تتيح مزيداً من تقليم أظافر الجمهورية الإسلامية.
وفي الوقت الذي انهمكت بيروت في يوم الحداد الوطني والمقابر المفتوحة بمسح دموعها ودمائها وإحصاء ضحايا الأربعاء الأسود الذين ناهز عددُهم 303 كحصيلة غير نهائية، وأكثر من 1165 جريحاً، جاء تذكير الجيش الإسرائيلي بوجوب إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت مع إضافة منطقة الجناح إليها، وما تسببه ذلك من إرباك كبير لامس مطار رفيق الحريري الدولي والمدينة الرياضية (فيها مركز للنازحين)، وحركة نزوح كثيف، ليعمّق الخشيةَ من أعظم آتٍ على جبهة لبنان العالق بين:
- تَمَسُّك طهران وحزب الله باستخدام بلاد الأرز وقوداً في «حرب البقاء» التي تخوضها.
- حرص تل أبيب على إعلاء أولوية إبقاء جبهة لبنان محكومةً بمسار يقوم على القوة العسكرية الممهِّدة لتفاوضٍ سياسي مباشر مع بيروت بعد أن يكون حزب الله أٌنهك أكثر، وهي سارعت في خطوة مفاجئة - بعد طول إدارة ظهرٍ لدعوة بيروت - إلى فتح الباب واسعاً أمام المفاوضات بتأكيد أنها أوعزت بإطلاق هذا المسار مع بيروت وكلفت به سفيرها لدى واشنطن وأنها ستركّز على السلام ونزع سلاح حزب الله، على أن يكون التفاوض «تحت النار»على عكس موقف لبنان الرسمي.
وثمة اعتقاد بأن أي أضرار إضافية يتعرض لها الحزب في فترة التفاوض سواء الإسرائيلي مع لبنان، والذي تم بإيعاز من ترامب، أو الأميركي مع إيران، اياً تكن مآلاتهما، نقاطاً تصبّ في مصلحة تكريس فصل الجبهتين وإخراج الإمرة بالكامل من يد طهران على مختلف جوانب الواقع اللبناني، وأيضاً فرْض مزيد من الضغط عليها على الطاولة، في موازاة إبقائها في مرمى نار التهديد الأميركي بـ«أن تندثر حضارتها وتعود للعصر الحجري».
ومن هنا فُسّر تَعَمُّد الرئيس دونالد ترامب، ثم نائبه جاي دي فانس، تأكيد أن لبنان غير مشمول باتفاق وقف النار وأن إيران كانت على علم بذلك، وهو الموقف الذي وفّر عملياً غطاء لعاصفة الدم والدمار التي أطلقتها إسرائيل على بيروت خصوصاً أطلقت عليها اسم «الظلام الأبدي»، وأكملتْها بتوسيع دائرة الإخلاءات إلى خاصرة العاصمة (الجناح)، ما عَكَس وفق أوساط مراقبة «انقلاب السحر على الساحر»، عبر تحويل حزب الله، ورقة ضغط على طهران وليس العكس، ومحاصرتها واقعياً بين المضيّ بالتفاوض تحت النار التي «تأكل» الحزب وبين الانسحاب منها وتالياً تلقي الضربة المميتة، وهو ما لمّح إليه فانس، معتبراً أن ذلك سيكون غباء، وإن كانت واشنطن تحرص على ألا يؤدي التصعيد الإسرائيلي على جبهة لبنان إلى إفشال مسار المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية.
تخفيف حدة الضربات
وأتى ما نُقل عن مسؤول أميركي من أن ترامب، طلب من نتنياهو، تخفيف حدة الضربات على لبنان للمساعدة بنجاح التفاوض مع إيران ليكرّس فصل جبهته عن الثانية، وإن مع كوابح لإسرائيل تكون أقرب إلى عودة الأمور لما كانت عليه في 7 أبريل، أي استمرار الضربات ولكن مع تحييدٍ لبيروت عن الهجمات الجَماعية وبلا إنذارات (ما خلا الاغتيالات) والمضي في التوغل البري جنوب الليطاني والذي بلغ مدينة بنت جبيل، في حين كان يتظهّر جزء من جوانب الالتباس المتّصل بموافقة واشنطن على أن الهدنة مع طهران تشمل بيروت، وأنها تراجعت عن ذلك لاحقاً بعد اتصال بين الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي.
في موازاة ذلك، ارتسم مسار متعدّد البُعد انطوى على مساعٍ حثيثة لإرساء مخارج توقف تدحرج لبنان نحو المنحدر المروّع، وأبرز ملامحه:
- تأكيد إسرائيل مضيّها في حربها الرابعة مع لبنان بالتوازي مع فتْحها الباب واسعاً للمرة الأولى أمام ملاقاة دعوة بيروت للتفاوض المباشر وفق ما أعلنه نتنياهو مساء، كاشفاً «اصدرتُ تعليماتي بفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان بأقرب وقت»، وأن «المفاوضات مع لبنان على نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية مع لبنان»، مثمناً «دعوة رئيس الوزراء اللبناني (نواف سلام) لنزع السلاح في بيروت».
- وكان نتنياهو قال نهاراً «نواصل توجيه الضربات لحزب الله بقوّة ودقة وحزم، وقتلنا في بيروت علي يوسف خرشي، السكرتير الشخصي للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، وأحد أقرب الناس إليه»، بالتوازي مع تهديد وزير دفاعه يسرائيل كاتس «بشن هجوم جوي وفقاً للنموذج الإيراني على حزب الله في كل انحاء لبنان».
نزع سلاح بيروت
- إعلان حكومة لبنان بعد اجتماع برئاسة الرئيس جوزف عون، أنها اتخذت قراراً بـ «المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها، والتشدد في تطبيق القوانين، واتخاذ التدابير كافة المطلوبة بحق المخالفين، واحالتهم على القضاء المختص»، وهو القرار الذي جاء بناء على طلب سلام، بعد زيارة قام بها لرئيس البرلمان نبيه بري، واعترض عليه وزيرا «حزب الله» من دون وزيري حركة «أمل».
كما قرر مجلس الوزراء التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن عن تصاعد الاعتداءات.
وأكد سلام، الذي يُرجح أن يزور واشنطن الأسبوع المقبل ودولاً أخرى، «أن الحكومة مصممة على المحافظة على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم».
وقال «تمت زيادة أعداد الجيش والقوى الأمنية وسيِّرت دوريات، لكن ذلك غير كافٍ ما يتطلب تعزيز انتشار القوى الأمنية الشرعية وبسط سلطة الدولة في محافظة بيروت الإدارية وحصر السلاح بالقوى الشرعية، ومنع الوجود المسلح غير الشرعي، وذلك لضمانة أهل بيروت والمقيمين فيها، ومنع أي محاولة لتعكير الامن وإرهاب المواطنين».
كما أكد عون «ان الاتصالات التي نقوم بها، دولة الرئيس وانا، مع عدد من أصدقاء لبنان في العالم، نطالب فيها بإعطاء فرصة كما أعطيت للولايات المتحدة وإيران لوقف النار والذهاب إلى المفاوضات، والضغط في اتجاه أن يكون لبنان جزءاً من اتفاق وقف النار كي ننطلق في المفاوضات».
وتابع «النقطة الأساسية الثانية هي اننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض عن نفسها، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا عنا».
وبعدها قال عون، أمام زواره «إن الحل الوحيد للوضع الذي يعيشه لبنان هو تحقيق وقف النار بين إسرائيل ولبنان، تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما، واجريت، ولا أزال، اتصالات دولية مكثفة، وهذا الطرح يلقى ترحيباً دولياً كبيراً وبدأ يتفاعل ايجاباً في الاروقة السياسية الدولية».
- اتصالات أكدت وجوب شمول لبنان بوقف النار، وبينها اتصال سلام برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والطلب منه «تأكيد أن وقف النار يجب أن يشمل لبنان منعاً الاعتداءات الإسرائيلية التي شهدناها الاربعاء».
وترافق ذلك مع سلسلة مواقف دانت الهجمات الإسرائيلية وبعضها طالب بسحب سلاح الحزب، وكلها تقاطعت على ضرورة انسحاب الهدنة على لبنان.
في موازاة ذلك، اختار «حزب الله» الردّ على الغارات الإسرائيلية على بيروت بهجمات بدت تحفظ خط الرجعة ربطاً بمسار المفاوضات مع إيران، حيث استهدف مستوطنات في الشمال، في حين استوقف دوائر متابعة نشره شريطاً أكد فيه استهداف بارجة حربية قُبالة سواحل لبنان، في 5 أبريل، مُظْهِراً لحظة استهداف البارجة بصاروخ كروز بحري يحمل شعار الحزب.