حرب «الظلام الأبدي»... حوّلت لبنان إلى ساحة «تصفية حسابات»
- مسغاف: نتنياهو رجل فاشل ومهزوم
- لماذا استهداف بنت جبيل وما أهميتها الأيديولوجية والإستراتيجية؟
- ترامب أعطى نتنياهو «شيكاً على بياض» لتصفية حساباته مع لبنان
- قنبلة سياسية كشفت عن عمق التضليل الإسرائيلي للإدارة الأميركية
في خطوة تجسد أقصى درجات الانتهازية الجيوسياسية، لم تمر ساعات قليلة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن «وقف إطلاق نار تاريخي» بين واشنطن وطهران، حتى كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تعبر إلى الأجواء اللبنانية في مشهد يكشف، بكل وقاحة، حقيقة ما يجري خلف الكواليس: لا سلام يُراد للمنطقة، بل إعادة توزيع للنار.
ما حدث فجر الأربعاء، لا يمكن وصفه بـ«خرق للهدنة» فقط، بل هو إعلان حرب مكشوفة على مفهوم الاستقرار برمته. فبينما كان العالم يترقب تهدئة تذلل الصراع النووي الأكثر خطورة في الشرق الأوسط، كانت إسرائيل تتلقى «بطاقة بيضاء» من البيت الأبيض لتدمير مناطق لبنانية بالديناميت والفوسفور، تحت غطاء عملية عسكرية أطلقت عليها اسم «الظلام الأبدي» - اسماً يعكس، بصدق مأسوي، المستقبل الذي يُعد للمنطقة.
كيف استُغلت الهدنة!
في تمام الساعة الثانية فجراً بتوقيت بيروت، بدأت 50 طائرة حربية إسرائيلية هجومها المتزامن على أكثر من 100 هدف في بيروت وضاحيتها الجنوبية والبقاع والجنوب. بحسب تفاصيل نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» من مصدر أمني رفيع المستوى، فإن العملية التي حملت الاسم الرمزي «الظلام الأبدي»، كانت معدة مسبقاً قبل أسابيع، وانتظرت فقط لحظة الإعلان عن الهدنة لتنفيذها.
وكتب رون بن يشاي، كبير المحللين العسكريين في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، «تُنفَّذ العمليتان - الضربة النارية... الظلام الأبدي وتطويق بنت جبيل - بناءً على معلومات استخباراتية وتخطيط أجراه جهاز الاستخبارات والقيادة الشمالية خلال الأسابيع الأخيرة، مع العلم بإمكانية تحرك الجيش الإسرائيلي في لبنان حتى في ظل وقف إطلاق النار مع إيران».
هذه الجملة وحدها تكفي لإثبات أن «الهدنة» كانت مجرد غطاء تكتيكي، وليس اتفاقاً حقيقياً لوقف العداء.
معركة الأيديولوجيا
على الأرض، يواصل الجيش الإسرائيلي حصار مدينة بنت جبيل الاستراتيجية، التي تقع على بعد 4 كيلومترات فقط من الحدود.
يضيف بن يشاي موضحاً الأبعاد الأيديولوجية: «تكتسب عملية بنت جبيل أهمية أيديولوجية كبيرة، فهي مدينة بلدة لبنانية شيعية قرب الحدود مع إسرائيل، وفيها ألقى الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، خطابه الشهير في التسعينات، والذي شبّه فيها إسرائيل بـ... بيت العنكبوت».
محاصرة هذه المدينة تحديداً، بمثابة ضربة رمزية موجهة إلى الذاكرة الجماعية
لـ «حزب الله»، ومحاولة لإثبات أن «بيت العنكبوت» الإسرائيلي لم يعد مجرد استعارة، بل تحول إلى دبابات تحاصر رموز الحزب.
إعادة رسم قواعد الاشتباك
بحسب مصادر أمنية إسرائيلية تحدثت لموقع «واي نت»، «في واشنطن، أوضح الرئيس دونالد ترامب ومساعدوه، أن إسرائيل حرة في القتال في لبنان وحدها رغم وقف إطلاق النار. وقد تم التوصل إلى اتفاق بين القوتين السياسيتين لفصل الجبهتين».
هذا يعني أن البيت الأبيض أعطى إسرائيل «شيكاً على بياض» لتصفية حساباتها مع «حزب الله»، بينما يركز هو على ترتيب أوراقه مع طهران حول البرنامج النووي.
لم يكتفِ البيت الأبيض بالتسريبات، بل خرج ترامب بنفسه ليؤكد هذا التوجه. في مقابلة مع شبكة «PBS» الأميركية، وصف ترامب التصعيد الإسرائيلي بأنه «مناوشة منفصلة» عن الاتفاق مع إيران، رافضاً وصفه بأنها خرق للهدنة.
في سياق متصل، نقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، ان الإدارة «أبلغت إسرائيل بأنها حرة في اتخاذ القرارات المناسبة لحماية مستوطنيها في الشمال»، مؤكدين أن «لبنان لم يكن جزءاً من التفاهمات مع إيران».
هذا التصريح يُعد ترجمة فعلية لمبدأ «فصل الساحات» على أرض الواقع.
كيف أقنع نتنياهو... ترامب؟
لكن السؤال الأعمق يبقى: لماذا يوافق ترامب على هذا التصعيد الخطير الذي قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة؟
تحقيق استقصائي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» قبيل أيام يكشف عن ديناميكية مثيرة للقلق. فوفقاً للتحقيق، عرض نتنياهو على ترامب سيناريوهات مبالغاً فيها للغاية قبل الحرب، وعد خلالها بأنه يمكن تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني في غضون ساعات، وأن النظام سينهار تحت وطأة الاحتجاجات الداخلية.
يكتب رونين بيرغمان، في تحليل لـ «يديعوت أحرونوت»، معلقاً على تحقيق «نيويورك تايمز»: «في رده على هذه الوعود، وصف رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف، الاقتراحات الإسرائيلية لتغيير النظام، كسخيفة، ووصفها وزير الخارجية ماركو روبيو، بالهراء. لكن نتنياهو نجح في اقناع ترامب».
هذا النجاح الإسرائيلي في إقناع واشنطن هو ما ترجم اليوم إلى «ضوء أخضر» في لبنان. إسرائيل راهنت على أن ترامب، الذي يريد «صفقة القرن» النووية ونوبل للسلام، سيغمض عينيه عن جرائمها في الشمال مقابل التزامها بعدم تعطيل المفاوضات. ويبدو أن الرهان نجح - حتى الآن.
الرد الإيراني
على الجانب الآخر، صرّح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، بأن «لبنان كان مدرجاً في الاتفاق. إذا استمرت الاعتداءات، فإن الاتفاق برمته سينهار، وإيران سترد بطريقة تجعل المعتدين يندمون على أفعالهم».
هذا الموقف يعكس إصراراً إيرانياً على ربط الساحات. فطهران تعتبر أن «حزب الله» هو ذراعها الاستراتيجية في مواجهة إسرائيل، والتخلي عنه يعني فقدان أداة ضغط هائلة.
من جانبه، أعلن الحرس الثوري، أن «عبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز توقف» رداً على الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
ويشرح رون بن يشاي هذا التقييم، قائلاً «يرى الجيش الإسرائيلي أن الإيرانيين مهتمون بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وبالتالي سيكتفون بتمديد إغلاق مضيق هرمز ولن يشنوا هجمات على إسرائيل».
لماذا تعتبر إسرائيل «الخاسر الأكبر»؟
وفي افتتاحية قاسية، وصفت صحيفة «هآرتس»، حكومة بنيامين نتنياهو بأنها «حكومة ظلام أبدي»، محذرة من أن سياسة «فصل الساحات هي وهم خطير سينفجر في وجه الجميع».
وكتبت أسرة تحرير «هآرتس» اليسارية: «نتنياهو هو مفجر اتفاقات مثابر، وعلى رأسه الاتفاق النووي. محظور عليه أن يعود مرة أخرى. على إسرائيل أن تسمح للاتصالات الدبلوماسية بالتقدم وألا تتآمر عليها من خلال عمليات عسكرية تداعياتها واضحة. هذا يفترض أن عليها أن توقف النار في لبنان، أن تتعاون مع الخطوة الأميركية وألا تجر المنطقة كلها إلى ظلام أبدي».
هذه الافتتاحية تعكس قلقاً حقيقياً داخل النخبة من أن نتنياهو يجر إسرائيل إلى حرب بلا رؤية وبلا نهاية، تماماً كما حدث في غزة.
«3 هزائم إستراتيجية كبرى»
لكن التحليل الأكثر قسوة، جاء من الكاتب والمحلل أوري مسغاف، الذي ذهب إلى حد القول إن إسرائيل عانت من «أكبر ثلاث هزائم استراتيجية في تاريخها» تحت قيادة نتنياهو.
وكتب في «يديعوت أحرونوت»: «هذا الشخص الفاشل والمهزوم الحق بإسرائيل في أقل من ثلاث سنوات، أكبر ثلاث هزائم إستراتيجية في تاريخها: عملية حماس في 7 أكتوبر، حرب الشمال التي استمرت لسنتين... والآن جر الإدارة الأميركية للحرب المشتركة ضد إيران... إسرائيل العملاقة، إسرائيل العظيمة، تحولت إلى هرم مخادع».
ويصف مسغاف، نتنياهو، بأنه أسس مفهوماً أمنياً جديداً قائماً على «الحروب الطويلة بلا نهاية».
«نتنياهو كذب»
في السياق الأميركي، كان تحقيق «نيويورك تايمز» بمثابة قنبلة سياسية كشفت عن عمق التضليل الإسرائيلي للإدارة الأميركية.
المصادر الأميركية التي تحدثت للصحيفة، قالت إن نتنياهو «بالغ في تقدير قدرات الجيش الإسرائيلي» و«قلل من شأن قدرات إيران على الصمود»، ما أوقع ترامب في تقديرات خاطئة. هذا التحقيق يضع علامة استفهام كبيرة حول مستقبل العلاقة الاستراتيجية بينهما، خصوصاً إذا تكرر السيناريو في لبنان.
سيناريوهات محتملة
هناك أربعة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تتشكل في الأسابيع المقبلة:
-السيناريو الأول: «استنزاف تحت الغطاء» (الاحتمال الأكبر – 45 %)
في هذا السيناريو، تواصل إسرائيل عملياتها «المحدودة» في جنوب لبنان تحت الضوء الأخضر الأميركي، بينما تكتفي إيران بالتهديدات وإغلاق المضيق بشكل متقطع.
تحاول واشنطن إبقاء المفاوضات النووية على قيد الحياة، مقابل غض الطرف عن «التجاوزات» الإسرائيلية في الشمال.
هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، لكنه يحمل بذور انفجار أكبر لاحقاً.
-السيناريو الثاني: «انهيار الهدنة وعودة الحرب الشاملة» (الاحتمال 30 %)
إذا توسعت العمليات الإسرائيلية بشكل كبير (مثلاً التوغل البري العميق)، قد تضطر إيران للرد بشكل مباشر، أو عبر وكلائها في سوريا والعراق. هذا السيناريو يعني نهاية الهدنة قبل أن تبدأ، وعودة إلى الحرب الشاملة التي قد تشمل قصف البنى التحتية الإيرانية والرد على إسرائيل بحرب صواريخ.
هذا هو السيناريو المرعب الذي يحاول الجميع تجنبه، لكنه يظل وارداً.
-السيناريو الثالث: «الضغط الأميركي لوقف التصعيد» (الاحتمال 15 %)
إذا شعر ترامب بأن التصعيد في لبنان يهدد اتفاقه مع طهران ويعرض أسعار النفط للارتفاع قبل الانتخابات، فقد يضغط بشدة على إسرائيل لوقف عملياتها.
في هذا السيناريو، قد تضطر إسرائيل للتراجع تحت الضغط، وهو ما سيشكل إذلالاً دبلوماسياً لنتنياهو وقد يؤدي إلى انهيار حكومته.
هذا الاحتمال قائم لكنه ضعيف حالياً، لأن الرئيس الأميركي يبدو مستعداً لتحمل بعض المخاطر مقابل إنجاز نووي.
-السيناريو الرابع: «التوسع إلى غزة» (الاحتمال الأقل 10 %)
ما زالت إيران تشترط أن يشمل الاتفاق غزة أيضاً. إذا شعرت طهران أن لبنان يُضرب من دون القطاع، قد تطلب من فصائلها في غزة تصعيد القتال مع إسرائيل.
هذا من شأنه أن يفتح جبهة ثالثة (بعد إيران ولبنان)، مما قد يجبر إسرائيل على حرب متعددة الجبهة هي الأعنف منذ حرب 1973.
هذا الاحتمال ضعيف حالياً لكنه ليس مستحيلاً.
«إسرائيل تعيش أزمة وجودية في القيادة، حيث يبدو نتنياهو مستعداً لجر البلاد إلى ظلام أبدي مقابل بقائه السياسي، حتى لو كان الثمن هو تحويل الجيش إلى متعهد تفجيرات بلا رؤية»، كما وصفه بيرغمان.
لبنان وغزة يدفعان الثمن
في خضم هذه الصراعات الكبرى، يبقى لبنان وغزة هما «منطقة الصفر» التي تدفع الثمن الأغلى. مئات القتلى في يوم واحد، آلاف الجرحى، مدن مدمرة، وأطفال يموتون تحت الأنقاض - كل هذا هو ثمن «الضوء الأخضر» الذي يمنحه ترامب لنتنياهو، وثمن «الصمود» الذي تطلبه إيران من «حزب الله».
هذا هو الشرق الأوسط اليوم: على حافة الهاوية، مع قادة يلعبون بالنار، وشعوب تحترق.