«المؤسسة لم تُبنَ على ظرف بل على مسار طويل من الجدية»
سعود البابطين لـ «الراي»: الثقافة تفقد قيمتها... إذا توقفت عن الحوار مع عصرها
- الحفاظ على لغتنا العربية والأدب والشعر... هو المردود الحقيقي
- النجاح في عالم المال والأعمال لا يكتمل إلا برد الجميل للمجتمع
- المقناص ليست ممارسة عابرة... بل ثقافة قائمة بذاتها
رأى رئيس مجلس أمناء مؤسسة عبدالعزيز البابطين، رجل الأعمال والشاعر سعود البابطين، أن الثقافة إذا توقفت عن الحوار مع عصرها تفقد قيمتها، مشيراً إلى أن المؤسسة لم تُبنَ على ظرف، بل على مسار طويل من الجدية.
وأوضح البابطين، في حوار مع «الراي» أن النجاح في عالم المال والأعمال لا يكتمل إلا برد الجميل للمجتمع، وأن الحفاظ على اللغة العربية والأدب والشعر هو المردود الحقيقي.
كما أضاء البابطين على محطات أخرى، في الثقافة والأدب والشعر، بالإضافة إلى هواية «المقناص»، وغيرها من النقاط التي نسرد تفاصيلها في هذه السطور:
• فلنبدأ من الإرث الثقافي الكبير الذي تركه الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين، «رحمه الله»، وهو إرث يُعد أحد أعمدة الثقافة العربية الحديثة. كيف تنظرون إلى مسؤولية الاستمرار في هذا النهج؟
- نحن لا نتعامل مع ما تركه والدي، رحمه الله، بوصفه «إرثاً» بالمعنى التقليدي، بل بوصفه مدرسة فكرية متكاملة. هذه المدرسة لم تتوقف برحيله الجسدي، لأنها قامت على رؤية واضحة، ومنهج، وقيم قابلة للاستمرار. مسؤوليتنا ليست الإضافة على شخصه، بل الحفاظ على مستوى الفكرة التي أسس لها.
• في ظل التحولات الثقافية المتسارعة، كيف تحافظون على هذا النهج دون أن يبدو منتمياً للماضي؟
- لأن فكر والدي لم يكن منغلقاً على زمنه. كان يؤمن بأن اللغة العربية كائن حيّ، وأن الثقافة إذا توقفت عن الحوار مع عصرها تفقد قيمتها. ما نقوم به اليوم هو السير داخل المسار نفسه: عمق في الطرح، ومرونة في الوسائل، من دون المساس بالجوهر.
• كيف ينعكس فكر الشاعر عبدالعزيز البابطين، على آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة؟
- ينعكس في معيار ثابت وهو لا مشروع بلا معنى، ولا حضور بلا قيمة. نحن لا نبحث عن الكثرة، ولا عن الاستعراض الثقافي، فهذا المنهج هو ما تعلمناه منه، وهو ما يضبط كل قرار نتخذه.
• عرفنا مؤسسة البابطين الثقافية اسماً راسخاً في المشهد الأدبي العربي، هل ما زالت تحتفظ بهذا الموقع؟
- الموقع الحقيقي لا يُقاس بالضوء المسلط، بل بالثقة المتراكمة. المؤسسة لم تُبنَ على ظرف، بل على مسار طويل من الجدية، لذلك فإن حضورها اليوم هو نتيجة طبيعية لاستمرار النهج، لا لرهان على لحظة.
• ما المردود الذي تتلقاه المؤسسة مقابل دعمها المفتوح للثقافة العربية؟
- المردود الحقيقي هو الحفاظ على لغتنا العربية والأدب العربي بكل مجالاته، خصوصاً الشعر العربي، وأن ترى مشاريع المؤسسة حيّة بعد عقود، وأن تجد أجيالاً جديدة تتعامل مع اللغة العربية بثقة. هذا هو المردود الحقيقي.
• في عالم يتعامل بالأرقام ويواجه تحديات رقمية ومنافسات شرسة في دنيا الأعمال.. كيف ستكون الموازنة بين رجل الأعمال ورجل الثقافة؟
- الوالد رحمه الله - كان يرى أن النجاح في عالم المال والأعمال لا يكتمل إلا برد الجميل للمجتمع، ومن هنا جاءت رؤيته في الجمع بين الاستثمار والتنمية الثقافية. وقد تعلمت منه أن العطاء لا يقل أهمية عن الإنجاز الاقتصادي، بل هو الوجه الحقيقي للنجاح، لذلك سعينا في مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية إلى أن نكون جسراً يربط بين الثقافة العربية والعالم، وأن نقدم ما يعزز الهوية العربية، من دون أن نتجاهل مسؤولياتنا الاقتصادية والتجارية.
• حمل إرث ثقافي بحجم إرث عبد العزيز سعود البابطين، مسؤولية كبيرة... كيف تنظر لهذه الأمانة؟
- إرث الوالد،رحمه الله، ليس مجرد مشاريع ثقافية، بل هو رؤية فكرية وإنسانية تهدف إلى نشر الثقافة وتعزيز الحوار بين الشعوب. أعتبر نفسي مسؤولاً عن استكمال هذا المشوار، ليس فقط بحكم الانتماء العائلي، ولكن لأنني أؤمن شخصياً بأن الثقافة والتعليم هما أساس النهضة. والذي يحفزني هو الإيمان بأن العمل الثقافي لا ينتهي، وأن رسالتنا يجب أن تستمر للأجيال القادمة.
• متى أكثر لحظة شعرت فيها أن هذا المشروع لم يعد «مشروع والدك»... بل مشروع أمة؟
- هذه اللحظة كانت عندما قال لنا صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الصباح،حفظه الله ورعاه، إن هذا الصرح والإنجاز الثقافي ملك الكويت ويجب المحافظة عليه والمضي قُدماً في تطويره. هنا أدركت أن المشروع لم يعد مشروع والدي، رحمه الله، فقط، ولا حتى مشروع العائلة، بل مشروع أمة... وأمانة لا تحتمل القرارات السهلة.
• إلى أين يتجه هذا المشروع الثقافي الكبير لمؤسسة البابطين الثقافية ؟ وما هي رؤيتكم المستقبلية؟
- رؤيتنا نراها كما أراد لها مؤسسها، مؤسسة هادئة، عميقة، ومؤثرة. لا نبحث عن تغيير المسار، بل عن الاستمرار فيه بثبات، لأن المدارس الحقيقية لا تنتهي برحيل أصحابها، والمشروع الثقافي لمؤسسة البابطين الثقافية ليس له خط نهاية، لأن الثقافة عمل مستمر ومتجدد.
ورؤيتنا تمتد بالعمل للحفاظ على أن تكون المؤسسة نموذجاً عالمياً مستداماً في نشر الثقافة، ودعم المبدعين العرب، وسنستمر بإذن الله في إطلاق الجوائز والمسابقات التي تحفز الإبداع وتوسيع نطاقها. بل ونسعى حالياً إلى تعزيز استخدام التكنولوجيا في نشر الثقافة، سواء من خلال المكتبات الرقمية أو المحتوى التفاعلي الجوائز الثقافية. ونحن ملتزمون بأن يبقى هذا الإرث حياً ومؤثراً في العالم إلى أبد الآبدين بإذن الله.
• يُعرف عنكم عشقكم للمقناص. كيف تنظرون إلى هذه الهواية؟
- المقناص والصيد بالصقور هواية جميلة جداً وهي ليست ممارسة عابرة، بل ثقافة قائمة بذاتها. فيها الصبر، والانضباط، واحترام الطبيعة. هي امتداد لهويتنا، تماماً كما هي اللغة امتداد لذاكرتنا.
• هل ترون علاقة بين المقناص والثقافة؟
- علاقة عميقة. المقناص مدرسة قيم غير مكتوبة، تنتقل بالممارسة لا بالنصوص، وهو جزء من الموروث الذي يستحق التوثيق والفهم، لا التهميش.
• في زمن تتغير فيه المفاهيم البيئية، كيف يمكن للمقناص أن يبقى جزءاً من التراث من دون أن يفقد انسجامه مع الطبيعة؟
- المقناص في مفهومه الأصيل ليس نشاطاً منفصلاً عن البيئة، بل هو جزء من علاقتنا بها. فالصحراء ليست ساحة ممارسة، بل معلم أول. من يتربّى على المقناص يتعلم أن الطبيعة ليست ملكاً له، بل أمانة بين يديه.
لذلك فإن التوازن لا يُصنع بقرارات طارئة، بل بثقافة متوارثة تقوم على الاعتدال، ومعرفة المواسم، واحترام دورة الحياة، وحين يغيب هذا الفهم يتحول الفعل إلى عبث، أما حين يحضر الوعي، فالمقناص يصبح ممارسة منضبطة تحافظ على استمرارية المكان قبل أي شيء وهذا ما نراه الآن في دول الخليج من خلال إنشاء المحميات وبرامج الصيد المستدام.
«أدوار متكاملة»
بسؤال البابطين، عن إعادة ترتيب المسميات التي تُطلق عليه (رجل الأعمال والاقتصاد، القناص، نجل رجل الثقافة والسلام)، رأى أنه ينظر إلى هذه المسميات «بوصفها أدواراً متكاملة لا متنافسة، لكن إذا أردنا ترتيبها لناحية القرب إلى قلبي، فأبدأ بـ(نجل رجل الثقافة والسلام)، لأن هذا اللقب يحمل معنى الانتماء إلى مدرسة المُعلم الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين، وهي مسؤولية قبل أن تكون صفة. ثم يأتي رجل الثقافة قبل رجل الأعمال، لأن الثقافة هي البوصلة التي تضبط الاتجاه، وهي التي تعطي لأي نجاح اقتصادي معناه. أما رجل الأعمال والاقتصاد، فهو دور أؤديه بإيمان بأن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن خدمة المجتمع.
ويبقى القناص جزءاً من هويتي الشخصية، مساحة أعود فيها إلى صفاء الصحراء وقيمها، الصبر، والانضباط، والاتزان».
وأضاف «في النهاية، هذه المسميات ليست طبقات منفصلة، بل دوائر تتقاطع في نقطة واحدة، وهي المسؤولية».