سالم المسباح يكتب... التلاحم والتكاتف في الموروث الشعبي

تصغير
تكبير

- سمة بارزة ميّزت الكويت وتسير على نهجه حكاماً ومحكومين

التلاحم والتكاتف بين الشعب الكويتي وبينهم وبين الحكّام سمة بارزة ميّزت الكويت مبدأها التعاون والإيثار والسماحة، وما هو إلا دليل على محبتهم وترابطهم وتكاتفهم وتراحمهم، والموروث الشعبي غني بالكثير من الأمثلة التي تدل على هذا المفهوم الذي جُبلت عليه الكويت وشعبها، كقصائد الشعراء والأمثال الشعبية والكنايات والأقوال والصفات والنعوت وفي بعض الحوادث والمواقف المثبتة والموثقة في التاريخ.

الحكّام مع الشعب

في مثال لتكاتف الحكّام وتراحمهم مع الشعب نستذكر (جابر العيش)، وهو الشيخ جابر الأول بن عبدالله بن صباح الحاكم الثالث للكويت، والذي لُقّب بجابر العيش لإقامته المآدب اليومية وطبخ العيش (الأرز) وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين في مثال واضح للتراحم والتلاحم.

وفي مثال آخر، نستذكر قول الشيخ صباح السالم الصباح الحاكم الثاني عشر للكويت حيث قال في قصيدة له:

أنا وشعبي كلبونا جماعة

الدين واحد والهدف أخدِم الشعب

ليه ضاق صدر الشعب ما أستر ساعة

أضيق من ضيقه واستر ليه حب

... وهذا تجسيد آخر لمدى التكاتف والتراحم والتلاحم بين حكّام الكويت وشعبها.

الشعر النبطي

وفي الحث على المؤازرة، جاء في الأمثال ومن ضمن قصيدة من الشعر النبطي:

كان ما تفزع اليمنى ليسراها

فاعرف ان ما وطا ذيك واطيها

وطا تعني من الفصحى الوطأ، ومعناها هنا أن ما يصيب الغير لا بد ويصيبك إن لم تُحسن أو تؤازر وتساعد.

الكويت في الثلاثينيات

وجاء أيضاً في القصائد في قول للشاعر فهد بورسلي حين هطلت أمطار غزيرة على الكويت في الثلاثينيات أدّت لهدم بعض المنازل وتضرر وغرق أهلها قصيدة معبّرة جداً بيّنت تكاتف أهل الكويت وتلاحمهم وتراحمهم حيث كان الشاعر في البحرين وورده خبر هذه الحادثة ونبأ ومواقف تكاتف أهل الكويت قال بها:

علمٍ لفانا ليتنا ما سمعناه

أرّث بوسط القلب مثل السِّعِيرَه

يا ليت علم بلادنا ما رويناه

واحسرتي صارت عليهم كِسِيره

كل العرب واهل الخشب من نشدناه

قال البلا سابق بِشِيره نِذِيره

أمرِ جرى ببلادنا واحسافاه

شاع الخبر والعلم في كل ديره

كلٍّ حزين وقام يصفق بيمناه

ومن الكدر ما احدٍ درى بالسِّرِيره

الخطوط دهشتنا على غير مشهاه

ولا من صديقٍ بالورى نستشيره

يقول راعي الخط سيلٍ جرى ماه

أيام تبقى للخلايق غديره

لا خط لا من تيل واللي فهمناه

خمس إمية بين الكثر والقصيره

وقت السحور أمرٍ دهتهم طناياه

حتى الجمل خلّىٰ صلافة هديره

كلٍ يصيح ويرفع الصوت لله

ومن الكثر ما احدٍ درى وش مصيره

اللي غرق واللي ظهر يسحب ارداه

واصبح يشوف القش كلّه نِثيره

والا العوازم نقصهم ما ضبطناه

بابلامهم كلٍ يعبّر قِصيره

والا فهد ولد الفهد جاه ما كفاه

معلوم بيته هدمته المطيره

وسلمان بن عيسى درك غاية مناه

بيته نجا يوم الفزع والكبيره

وسلطان چد صاد الخبر والخبر جاه

ذرب اليمين البيت يفكر بغيره

والا خوالي من يمينه ليسراه

والله ما ادري وش جرى للعشيره

من قارب الحفرة فهو خاب مسعاه

ومن قارب السِّيفه تراها بريره

معلوم يا من هو تلذذ بدنياه

ومن راد رخص البيت يسمع خريره

هذا زمانٍ ما عرفنا سجاياه

الشر واجد والحوادث كثيره

اللي سلم والسيل بيّن تغطّاه

هذاك چد راحت خرايب قصيره

والعلم ضايع بينهم ما لقيناه

الهم زايد والمنامه ضريره

واليوم علم بلادنا ما سمعناه

مدري توطّتهم خيولٍ مغيره

كنّي سمعت الشر راضي ولا جاه

سيلٍ دعا قش الخلايق نِثيره

عزّي لحالات المساكين عزّاه

والا الغني بيته يعمره بغيره

وابن صقر يومٍ سأل قال فرقاه

لي طاح بينه عندهم بيت غيره

قولو لعبدالقادر البيت يبناه

في سكّةٍ فوق الرفاعة قصيره

ما قصّر الممدوح مكرم رعاياه

الليث أبوجابر يروف القصيره (يقصد الشيخ أحمد الجابر الصباح)

جماعته وافين يمشون برضاه

ولديرته كلٍ يحب البريره

أطلب من الله دايم واترجّاه

انّه يعوّض اللي نظرها بخيره

صلاة ربّي عد نظمٍ كتبناه

على النبي أعداد رمل الجزيره

التكاتف والتلاحم

هذا ويقول الشاعر زيد الحرب رحمه الله داعياً مستذكراً للتكاتف والتلاحم بين أهل الكويت وبين حكّامها منذ قديم الأزل:

الكويت ربتنا وفيها ربينا

هي أمّنا واحنا ترانا عيالها

ودارٍ ربتنا وربّت جدودنا

والكل منّا رابيٍ في ظلالها

دارِ تدلّلنا في كل حزّة

إهي تدلّلنا وحنّا دلالها

دارٍ كستنا العز وثوب الجمايل

هل كيف ننساها وننسى جِمالها

والله لو دوّرت بالشرق كلّه

ودرت الجنوب وغربها مع شمالها

حرام ما تلقى بالأوطان مثلها

ولا يعوضك بالبلادين بدالها

مزبان للطريد واللي مجلّا

ومن صكّته سود الليالي عَنىٰ لها

دار السعد والجود والمجد والكرم

على العرب تمطر سحايب حلالها

دار الصباح اللي بعزمٍ حموها

عدوّها لا تظن بيده ينالها

كد راودوها الروم والترك والعجم

واولاد سالم اوقفوا دون جالها

بر وبحر بالبنادق حموها

وخاضو المعارك ما خشو من اهوالها

وكثر الحرايب ما تجيب المنيّة

والذل ما يحميك لا جه زوالها

جدودنا داسو على الشوك والوعر

وخنّا بعد بندوس صعب أوحالها

ما نعطي الرشوه وندّي الأخاوة

والضد ما نرضيه من راس مالها

لا تظن بالبخاشيش تحمىٰ

إن ما حموها بالمراجل رجالها

حنّا بني عتبة قليلٍ عددنا

لا شك حَرار في مواكر جبلها

وترى الكثر حق الدجاج المركّك

والقصورة تطلع جليل أشبالها

عدوّنا نسقيه سمٍّ وعلقم

وصديقنا نسقيه صافي زلالها

وقِصيرنا لي أخطىٰ وجانا تعذّر

نسمح خطايا الجار ونكرم اسبالها

من جه بالاحسان يجزي بمثله

واللي نوانا بشر يلقى مثالها

لا شك بعض الناس ثورٍ نفيعه

يشب نار ما يعرف اشعالها

يراوز النقلة ويبغي المراجل

وعنه المراجل قاصرات حبالها

ذي نقلة صعبة ولا حد يشيلها

إلا هديب العز نوّخ وشالها

اللي يعاملها بفعل ونيّة

وعزمٍ قوي مواصل في أعمالها

واصبر على دنياك بالك تسرّع

لين البدر يكمل بحسبة هلالها

من سار وجد السير يوصل مكانه

ومر حايل الصمّا على الطول حالها

ولابد ما ينشي الغيم مزنه

وسميّة كل من يخايل خيالها

والله يحيي الأرض من بعد موتها

تخضر جوانبها وتنبت امحالها

هذا إن تولّفنا وفيها صفينا

والا تفرقنا غدينا ذلالها

كل أمّةٍ وقت الملازم تفرقت

تلبس ذياب الذل وخابت آمالها

العز باللّمّة وجمع القبايل

إبها الشرف والمجد فالها

أقولها والشمس ماهي غبية

كلٍ يعرف أوعارها من سهلها

مير الشقاوة والحسد والنمايم

ووكّالة الرشوة تمزع اشمالها

وانا سمعت واوحيت يا ناس كلمة

فرّق تسد تركب صعايب اجبالها

وانا اشهد انّه صادقٍ في كلامه

وبالحل يالسلام من كان قالها

يمنى بلا يسرى لو هي قويّة

ما تنقل النقلة فريدٍ لحالها

هذا جواب من كان صافي ضميره

متنبّي يعرف سراير احوالها

كم ضيعةٍ ضاعت وماتت أشجارها

هذا من الغفلة وسبايب اهمالها

وصلّوا على سيّد القبايل محمد

عد الطعوس وما زمّه من رمالها..

الأمثال الشعبية... حث على التعاون والمؤازرة

وفي الحث على التعاون والمؤازة والتكاتف جاء في الأمثال الشعبية:

- «ربعٍ تعاونوا ما ذلّوا»، في تجسيد للقول يد الله مع الجماعة.

- «الإيد الوحدة ما تصفّق»، وفي ذلك ورد في الشعر والأدب العربي: بصلاح ذات البين طول بقائكم

إن مدّ في عمري وإن لم يمدد

وتكون أيديكم معاً في أمركم

ليس اليدان على التعاون كاليدِ

- «من شاور عان» (في إشارة إلى أن مجرد المشورة تكون بمثابة العون).

- «كل مشروك مبروك»، «منّي ومنّك يعمر البيت» (للتعاون).

ومن الأقوال التي تدل أيضاً على التعاون والتلاحم والتراحم والسماحة في موروثنا الشعبي الكويتي، نستذكر المقولات التالية:

- «من هالعين قبل هالعين».

- «من عيني الثنتين».

- «ما يصير خاطر إلا طيّب».

- «ما نطلع من جزاك»، «مالنا غناة عنّك»، (عندما يقدّم لنا معروفا).

- «لو هي ذبيحة ما عشّتك».

- «لا تشيل هم»، «ازهلها»، «تامر أمر»، «ما عندنا الا حلالك»، «لا تدير بال لا تشيل هم».

- «فلان قام فيني قومة» (لم يقصّر معي).

- «عند وجهك» (على أهبة الاستعداد لمساعدتك).

- «على هالخشم».

- «رقبتي سدّادة».

- «ياخذ في وجه الله» (للمساعدة ابتغاء الأجر من الله).

- «العين آسع (أوسع) لك من المكان».

- «رايته بيضة» (كناية عن بيض الأفعال).

- «إرقد وآمن» (للطمأنينة).

هذه جوانب من موروثنا الشعبي الكويتي التي تدل دلالة واضحة على ما جُبل عليه المجتمع الكويتي من قديم الأزل من تكاتف وتلاحم وتراحم وما تسير على نهجه الكويت حكاماً ومحكومين من تعاون ومؤازرة وتسامح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الباحث في اللهجة والموروث الشعبي الكويتي* عضو الجمعية الكويتية للتراث

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي