الحرب دخلت مرحلة تشكيل الشرق الأوسط من خلال كسر القدرات الإيرانية وتغيير الواقع في لبنان
تحوّل في الخطاب الإستراتيجي الأميركي - الإسرائيلي تجاه طهران وبيروت
- تعقيدات الصراع وإشكاليات قانونية قد تحوّل الانتصار الميداني إلى هزيمة سياسية... النهاية ستكون رهناً بمَنْ يصرخ بصوت أعلى
في اليوم السابع عشر من الحرب التي تشتعل على جبهتين، إيران ولبنان، لا يمكن لأحد في إسرائيل أن يخطط لعيد الفصح أو احتفالات الذكرى ويوم الاستقلال، وكأن شيئاً لم يكن. هكذا يفتتح الصحافي آفي أشكنازي تقريره في صحيفة «معاريف»، ليرسم صورة قاتمة لحرب تستنزف الأيام وتُعيد تشكيل المنطقة.
من الردع إلى تغيير قواعد اللعبة
في الماضي، كانت الحروب تدار بهدف الردع أو وقف إطلاق النار. أما اليوم، فاللهجة مختلفة جذريا. يقول أشكنازي نقلاً عن مصدر عسكري: «صاروخ يضرب طهران، أصداؤه تصل إلى لبنان».
هذه العبارة تلخص التحول الإستراتيجي الأهم: لم تعد المعركة منفصلة، بل هي جبهة موحدة تهدف إلى ضرب طهران لقطع الإمداد عن أذرعها، وفي مقدمتها «حزب الله».
أضاف المحللون أن الهدف لم يعد فقط تدمير مخازن الصواريخ، بل استهداف «الموازين الإيرانيين»، أي البنية التحتية للصناعات العسكرية. فإيران، كما يصفها التقرير، قوة أكاديمية وتكنولوجية هائلة، وضرب معاهد التطوير والمصانع يعني إلحاق ضرر اقتصادي وجودي بالدولة الإيرانية على المدى البعيد، وليس فقط عجزها العسكري المباشر.
في لبنان، تتجه الأهداف أيضا نحو تغيير الواقع الميداني. علق أشكنازي على المعارك البرية المحدودة التي بدأها الجيش الإسرائيلي، موضحا أنها تهدف إلى تعميق خط الدفاع والوصول إلى منطقة الليطالي، لمنع حزب الله، الذي لايزال يمتلك ما بين 10 إلى 15 ألف صاروخ، من تهديد الجليل والكريوت وحيفا.
النتيجة المأسوية، كما يصفها، هي تهجير نحو 850 ألف مواطن لبناني، معظمهم من الشيعة، مما يخلق موجة غضب شعبية ضد حزب الله الذي «اقتادهم ليكونوا لاجئين مرة أخرى».
أما بالنسبة للخطاب السياسي، فيقدم ناحوم برنياع في افتتاحية «يديعوت أحرونوت» رؤية واقعية قاسية. وقال مخاطبا القادة: «دعكم من السلام... الأمن، هذا هو المقدر الذي يحتاج الإسرائيليون له حاجة ماسة».
وأضاف معلقا على الخطة الفرنسية للسلام، «إنها مناورة صرف انتباه. فلبنان دولة فاشلة، وحكومته تريد نزع سلاح حزب الله ولكنها لا تستطيع».
وفي النهاية، استنتج برنياع أن إسرائيل لا تحتاج من لبنان حبا ولا اعترافا، بل تحتاج فقط إلى شيء واحد: ألا يعبر أي صاروخ الحدود. وهذا ما يعجز لبنان عن تقديمه.
بين الجهل والطموح
وبينما يركز القادة على الانتصار، يكشف تقرير نتنئيل شلومو فيتس في «هآرتس» عن جانب آخر من شخصية من يديرها. وسخر من تصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي بدا وكأنه يكتشف حجم الأسطول الإيراني خلال الحرب، قائلاً «لم أكن أعلم أن لديهم أسطولاً بهذا الحجم». هذه العبارة، بحسب فيتس، تكشف عن «استخفاف ترامب وسلوكه كهاوي» يقود أعتى حرب في المنطقة.
علق فيتس على تناقض ترامب بين دعوته الإيرانيين للثورة ثم اعترافه بأن قمعهم بالرشاشات يشكل «عائقا كبيراً». وأضاف أن مبعوثه ستيف ويتكوف، رجل العقارات، يصدق كلام الكرملين بشأن عدم تبادل المعلومات الاستخبارية مع إيران، وكأنه يتعامل مع شركاء في صفقة عقارية لا مع عملاء مخابرات سابقين.
هذه الصورة للقيادة غير الملمّة بالتفاصيل تضع علامات استفهام كبيرة حول مدى دقة تقديراتها حول استمرارية الحرب وتكاليفها.
هل يحدد الاقتصاد نهاية الحرب؟
هنا يأتي دور العامل الحاسم: المال. في تقرير موسع لـ«واينت»، تقدم تل شاحف أرقاما صادمة. وكشفت أن هذه هي «أغلى حرب في تاريخ البلاد»، حيث تبلغ التكلفة المباشرة نحو 1.8 مليار شيكل يوميا، أي 22 مليار شيكل في أول أسبوعين فقط.
وشرحت أن هذا الرقم يشمل القنابل والوقود والصواريخ الاعتراضية، دون احتساب تعويضات الأضرار وخسائر الإنتاج الاقتصادي التي تقدر بعشرات المليارات الإضافية.
وأضافت أن تكلفة اعتراض صاروخ واحد بصاروخ «حيتس» تصل إلى 16 مليون شيكل، بينما تكتفي «القبة الحديدية» بـ 70 ألف دولار. الفرق بين اعتراض صاروخ فوق تل أبيب وآخر فوق كريات شمونة هو فرق في التكلفة يعكس «حسابات ساخرة» كما يقول الخبراء.
وتابعت شاحف: «الحكومة خصصت 40 مليار شيكل كزيادة لميزانية الدفاع، لكن التقديرات الحقيقية تشير إلى أن الفاتورة النهائية قد تصل إلى 60 مليار شيكل». هذا الوضع يرفع العجز إلى 5.1 %، ويهدد بجعل الأجيال القادمة تدفع فواتير هذه الحرب بفائدة مرتفعة.
واختتمت تحليلها الاقتصادي بتساؤل مرير: «هل نستمر في دفع 18 مليار شيكل سنوياً كفوائد على ديون الحرب، بينما نخصص 6 مليارات شيكل لتمويلات ائتلافية للحريديم»؟ وتساءلت مصادر في وزارة المالية: «لماذا نقلص الخدمات الصحية والتعليم بينما يمكن إلغاء تحويلات الأموال غير الضرورية»؟
هل الحرب قانونية؟
في زاوية أخرى من «هآرتس»، يثير حن معنيت سؤالا وجوديا حول شرعية الحرب من منظور القانون الدولي. وقال إنه خلافاً للإجماع الداخلي، هناك إجماع بين كبار خبراء القانون الدولي في العالم على أن «هذه الحرب غير شرعية».
وأضاف نقلاً عن خبراء مثل البروفيسور عميحاي كوهين والدكتورة تمار مجيدو، أن شروط الدفاع عن النفس لم تتحقق، لأن الهجوم وقع في وقت كان فيه وقف لإطلاق النار في غزة ومفاوضات جارية. حتى الدفاع الوقائي لا ينطبق، لأنه يقوم على الخوف من تطوير أسلحة مستقبلية، وليس على هجوم وشيك وملموس.
وعلى الجانب الآخر، علّق البروفيسور يوفال شيني على هذه المعضلة، معترفاً بأن الحرب غير قانونية وفقا للقانون الحالي، لكنه أشار إلى فجوة كبيرة بين موقف الأكاديميين وموقف الدول.
وقال إن ردود فعل دول مثل ألمانيا وفرنسا كانت معتدلة، لأن مجلس الأمن «مشلول». شبه الأمر بحي يغيب فيه رجال الشرطة، فيضطر الناس للدفاع عن أنفسهم حتى لو كانت القواعد لا تسمح بذلك. أما المحامي ميخائيل سفارد فحذر من أن هذا المنطق خطير، وسيعيد العالم إلى «حالة يتقاتل فيها الجميع مع الجميع طوال الوقت».
إلى أين تتجه النهاية؟
يبدو أن نهاية هذه الحرب لاتزال بعيدة المنال، وتتقاطع عندها مسارات عدة:
المسار العسكري: كما يقول أشكنازي، الجيش الإسرائيلي متمسك بفرضية أن إضعاف النظام في إيران سيؤدي تلقائيا لانهيار «حزب الله». لكن تقارير «هآرتس» تشير إلى أن ترامب نفسه بدأ يدرك صعوبة إسقاط النظام رغم القصف.
المسار الاقتصادي: مع استنزاف الميزانية الإسرائيلية بمليارات الشواكل يومياً، وارتفاع تكاليف المعيشة عالمياً بسبب تهديدات إيران لحركة النفط في مضيق هرمز، قد يتحول الضغط الاقتصادي إلى عامل حاسم لوقف الحرب. تقديرات بنك إسرائيل بتكلفة إجمالية تصل إلى 390 مليار شيكل تجعل استمرار الحرب لفترة طويلة عبئا لا يحتمل.
المسار السياسي: الضغوط الدولية، ممثلة بالخطة الفرنسية للسلام (حتى لو وُصفت بالمناورة)، والمشاكل القانونية المتعلقة بشرعية الحرب، قد تخلق غطاءً سياسياً للانسحاب أو لوقف إطلاق النار مع تحقيق مكاسب محدودة.
يمكن القول إن الحرب على إيران ولبنان دخلت مرحلة جديدة. لم تعد لهجة الخطاب تدور حول الردع المتبادل، بل حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال كسر القدرات الإيرانية وتغيير الواقع في لبنان. لكن هذه الطموحات تصطدم بواقع مرير: تكلفة باهظة تهدد الاقتصاد، وقيادة عالمية تبدو غير ملمة بكل تعقيدات الصراع، وإشكاليات قانونية قد تحول الانتصار الميداني إلى هزيمة سياسية.
النهاية، كما يبدو، ستكون رهناً بمَنْ يصرخ بصوت أعلى: صاروخ «حيتس» الذي تبلغ كلفته ملايين الدولارات، أم الموازنة الإسرائيلية التي تنزف مليارات الشواكل كل أسبوع.