رسائل من نتنياهو إلى إيران عبر روسيا طلباً للتحييد
من التصعيد إلى القنوات الخلفية.. نمط مألوف في التوترات الأميركية - الإيرانية
قبل أسابيع قليلة فقط، كان المناخ الإقليمي متوتراً للغاية، فقد شكلت عمليات إعادة التمركز العسكري، والخطاب الحاد، والتقارير التي تفيد بنقل نحو 150 طائرة أميركية إلى مناطق قريبة من المدى العملياتي المحتمل لإيران، شعوراً بأن الأحداث تتجه نحو مواجهة مفتوحة.
لم يعد احتمال القيام بعمل منسق بين واشنطن وإسرائيل مجرد احتمال نظري، بل أصبح يُناقش علناً كسيناريو محتمل على المدى القريب.اليوم، يبدو أن هذا الاحتمال قد انخفض دون أن يعني ذلك أن الحرب لن تقع أبداً، ما تغير ليس انعدام الثقة الكامن بين الطرفين، بل التفعيل الهادئ للقنوات الخلفية وإعادة تأكيد حدود الردع. يشبه هذا الوضع، من نواحٍ عدة، دورات سابقة من سياسة حافة الهاوية بين الولايات المتحدة وإيران: تصعيد علني صاخب يتبعه إشارات ديبلوماسية دقيقة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
صدى 2019
من أوجه التشابه المفيدة أزمة 2019 التي أعقبت الهجمات على ناقلات النفط في الخليج وإسقاط طائرة أميركية مسيرة. في ذلك الوقت، هدد الرئيس دونالد ترامب علناً بشن ضربات عسكرية، وأفادت التقارير أنه وافق على عمل عسكري محدود قبل أن يتراجع عن قراره في اللحظة الأخيرة. تم نشر القوات العسكرية، وتصاعدت حدة الخطاب، ومع ذلك، لم يصل الصراع إلى حد الأعمال العدائية المستمرة.
كان المنطق مألوفاً: فالضربة قد تُشعل ردات فعل انتقامية ضد القواعد الأميركية بالمنطقة، وتؤدي إلى تصعيد الموقف عبر شبكات الحلفاء، وزعزعة استقرار تدفقات الطاقة العالمية. تكرر نمط مماثل في يناير 2020 بعد اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني قاسم سليماني.
وردت إيران بضربات صاروخية على قاعدة أميركية في العراق. وقد حرص كلا الجانبين على موازنة تحركاتهما بدقة. وأشارت طهران مسبقاً إلى رغبتها في الحد من الخسائر، بينما اختارت واشنطن عدم التصعيد. وأظهر هذا التبادل القدرة العسكرية مع تجنب التوسع الخارج عن السيطرة. وتحمل الحلقة الحالية السمات الهيكلية نفسها: استعراض القوة في شكل واضح، إلى جانب جهود لإدارة حدود التصعيد.
رسائل عبر موسكو
بحسب مصادر قريبة من صُنّاع القرار في طهران، نقل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدة رسائل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ويُعدّ نتنياهو، المطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، شخصية محورية في حسابات الأمن الإسرائيلي. وكانت الرسالة واضحة: لن تُشارك إسرائيل في أي حملة عسكرية أميركية مُحتملة ضد إيران، وتسعى لتجنّب الانجرار إلى تبادل إطلاق صواريخ في حال نشوب صدام بين واشنطن وطهران.
هذه المعلومات تُمثّل إعادة تقييم جوهرية. فعلى مدى أعوام، افترضت عقيدة الردع الإيرانية أن إسرائيل ستعمل كذراع عملياتي للولايات المتحدة في أي مواجهة كبرى. وردّت طهران، بحسب المصادر، برفض فكرة أن تبقى إسرائيل بمنأى عن تبعات أي صراع إقليمي. فمن وجهة نظر طهران، تُعتبر إسرائيل فاعلاً استراتيجياً رئيسياً، لا مُتفرّجاً.كما نقلت مصادر إيرانية تقييماً مفاده أن حملة عسكرية مُطوّلة تمتد لأسابيع أو شهور ستتطلّب دعماً جوياً ولوجيستياً إسرائيلياً. وبدون ذلك، كما تُشير المصادر، ستكون قدرة واشنطن على دعم عمليات عسكرية مُكثّفة محدودة. إن دقة هذا التقييم أقل أهمية من الرسالة الاستراتيجية الكامنة خلفه: تسعى طهران إلى رفع التكلفة المتوقعة للحرب إلى مستوى يردع أي محاولة للهجوم.
حق الدفاع عن النفس
يتضمن موقف إيران إطاراً قانونياً واضحاً. ويؤكد المسؤولون أن للبلاد الحق في الدفاع عن نفسها في حال تعرضها للهجوم، وهو مبدأ منصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وتشدد رسائل طهران على أن أي عمل عسكري ضدها سيستدعي رداً شاملاً ضد المنشآت الإقليمية الأميركية وإسرائيل. لا يهدف هذا التصريح بالضرورة إلى التوعد بتصعيد فوري، بل إلى إزالة أي لبس. فالردع يكون أكثر فعالية عندما تكون الخطوط الحمراء واضحة.في الوقت نفسه، يجادل المسؤولون الإيرانيون بأن برنامجهم النووي ما زال سلمياً وخاضعاً للتحقق الدولي.
وقد أفادت التقارير أن طهران قدمت مسودة إطارها لمفاوضات جنيف المقبلة المقرر عقدها اليوم الخميس. ووفقاً لمصادر، يتضمن المقترح ضمانات واسعة النطاق تهدف إلى تمكين مفتشي الأمم المتحدة من التحقق من الطبيعة المدنية لأنشطتها النووية.ومن الجدير بالذكر أن المسودة لا تتناول برنامج الصواريخ الإيراني أو تحالفات طهران الإقليمية.
يؤكد المفاوضون الإيرانيون أن هذه المواضيع لم تُثر داخل قاعة المفاوضات من قبل نظرائهم الأميركيين، على الرغم من التصريحات العلنية لمسؤولين أميركيين التي توحي بخلاف ذلك. يُبرز هذا التناقض الفجوة التي غالباً ما تسود بين الرسائل الديبلوماسية الموجهة للجمهور المحلي ومضمون المناقشات الفنية التي تُجرى خلف الأبواب المغلقة.وقد ظهر انقسام مماثل خلال المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي لعام 2015. إذ انحرف الخطاب العلني في كثير من الأحيان عن النطاق الأضيق للمحادثات، التي ركزت تحديداً على مستويات التخصيب، وعدد أجهزة الطرد المركزي، وأنظمة التفتيش بدلاً من الديناميكيات الإقليمية الأوسع.
درس 2012-2013
نقطة مرجعية تاريخية أخرى هي الفترة التي سبقت الاتفاق النووي الموقت عام 2013. في ذلك الوقت، حذرت القيادة الإسرائيلية مراراً من احتمالية شن ضربات أحادية الجانب على المنشآت الإيرانية.
وأكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون علناً أن "جميع الخيارات مطروحة". وأُجريت مناورات عسكرية.
واستعدت الجهات الفاعلة الإقليمية للتأثير.ومع ذلك، لم تكن النتيجة النهائية حرباً، بل مفاوضات.مهدت الديبلوماسية غير الرسمية في عُمان الطريق لمحادثات رسمية تطورت لاحقاً إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. الدرس الأساسي المستفاد من تلك الفترة ليس المبالغة في التوترات، بل أن سياسة حافة الهاوية والديبلوماسية غالباً ما تعملان في آن واحد.يبدو أن الوضع الحالي يتبع سيناريو مشابهاً. فالاستعداد العسكري يعزز قوة التفاوض. والرسائل غير المباشرة توضح الحدود.
والخطاب العلني ما زال حاداً، لكن الحسابات الخاصة أصبحت أكثر حذراً.بالنسبة إلى واشنطن، فإن صراعاً مستمراً مع إيران سيتطلب موارد كبيرة في وقتٍ تُعاني الالتزامات العالمية بالفعل من ضغوط كبيرة.
حتى الضربة المحدودة تُنذر بردات فعل إقليمية، وتعطيل للممرات البحرية، وهجمات على المنشآت الأميركية.بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المشاركة المباشرة في حرب طويلة الأمد ستؤدي على الأرجح إلى وابل كثيف من الصواريخ.
حتى أنظمة الدفاع الجوي المتطورة تواجه حدوداً في ظل ظروف التشبع. يدرك المخططون الاستراتيجيون في تل أبيب جيداً أن التصعيد لا يحدث بمعزل عن السياق.بالنسبة إلى إيران، تنطوي الحرب المفتوحة على مخاطر اقتصادية وبنيوية جسيمة. وبينما تُركز طهران على الصمود والقدرات غير المتكافئة، فإنها تُدرك أيضاً الإمكانات التدميرية للحملات الجوية المستمرة. لذلك، يواجه كل طرف قيوداً تُخفف من حدة النزعات التطرفية.
الوضع الراهن
تشير الرسالة الأميركية التي نُقلت عبر طرف ثالث إلى خفض التصعيد بدلاً من الاستعداد لمواجهة فورية. ربما كان الهدف من إعادة تموضع الطائرات هو إرسال إشارة ردع لا تمهيداً لعمليات عسكرية مستمرة، دون نفي احتمالات الخداع لخلق عنصر المفاجئة .في الوقت نفسه، يُوفر تقديم إيران لمسودة تفاوض قبل جنيف مخرجاً ديبلوماسياً. من خلال إبراز ضمانات التفتيش والتأكيد على النية النووية السلمية، تُقدم طهران نفسها على أنها مستعدة للشفافية القصوى. هذا التفاعل بين التهديد والتفاوض ليس بجديد، فقد طبع العلاقات الأميركية - الإيرانية لعقود.
يكمن الاختلاف الآن في تعدد الوسطاء وتعقيد التحالفات الإقليمية. تلعب روسيا دور الوسيط، وتستضيف الدول الأوروبية المحادثات، بينما يراقب الفاعلون الإقليميون عن كثب كل إشارة تحمل دلالات متعددة.إذا كان للتاريخ أن يُرشدنا، فهو التالي: عندما يبلغ الخطاب ذروته وتتحرك القوات العسكرية في شكل واضح، يزداد خطر سوء التقدير. لكن تزداد معه أيضاً ضرورة الدبيلوماسية الهادئة.
لم تتطور أزمات 2012 و2019 و2020 إلى حرب طويلة الأمد لأن كل طرف رأى في نهاية المطاف أن التكاليف باهظة للغاية. صمد الردع، وتعزز بالتواصل غير المباشر.لكن هذا لا يضمن الاستقرار، فقد يُغير حادث واحد مسار الأحداث.
لكن في الوقت الراهن، يبدو احتمال نشوب حرب منسقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أقل مما أشارت إليه الأسابيع الأخيرة.لم تتوقف قرع طبول الحرب تماماً. لقد تراجعت ببساطة وحلت محلها تبادلات أكثر هدوءاً قد تثبت أنها أكثر حسماً من أي انتشار للقدرات العسكرية المهددة.