اكتشاف يمنع الشعور بالألم من غزو النخاع الشوكي
أعلن فريق من العلماء عن اكتشاف بيولوجي مذهل قد يغير حياة الملايين ممن يعانون من آلام الظهر والأعصاب المزمنة، حيث توصلوا إلى طريقة مبتكرة لمنع الخلايا العصبية الناقلة للألم من غزو مناطق غير مخصصة لها في النخاع الشوكي.
وأوضحت دراسة منشورة في موقع «سايتك ديلي» أن الإصابات الجسدية قد تدفع أعصاب الألم إلى النمو بشكل عشوائي واختراق الطبقات العميقة من العمود الفقري، وهو الأمر الذي يفسر تحول الألم من عارض موقت إلى حالة دائمة لا تستجيب للمسكنات التقليدية. ويمثل هذا البحث نقلة نوعية في فهم «الدارة الكهربائية» للألم داخل جسم الإنسان، ما يفتح الباب لتطوير علاجات جزيئية تستهدف منع هذا الغزو العصبي وإعادة التوازن للنظام الحسي دائماً وأبداً.
ويرى باحثون في جامعة «هارفارد» والعديد من مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة أن مفتاح الحل يكمن في جزيء بروتيني يعمل كإشارة مرور تمنع الأعصاب من التوسع في الاتجاهات الخاطئة.
ومن الناحية العلمية، فإن تعطيل هذه الإشارة نتيجة الإصابة أو التقدم في السن هو ما يسمح لـ «ألياف الألم» بالنمو المفرط، ما يخلق حساسية مفرطة حتى للمسات البسيطة.
وبفضل التقنيات الجينية الحديثة، تمكن العلماء من استعادة وظيفة هذه الإشارات الرقابية، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في مستويات الألم لدى النماذج المخبرية، وهو ما يعزز الآمال في إنتاج جيل جديد من الأدوية التي تعالج جذور المشكلة بدلاً من تخدير الأعراض فقط.
ولشرح كيفية عمل هذا الاكتشاف وتأثيره المتوقع على الطب السريري، يمكننا النظر في الاستراتيجيات العلاجية التالية التي انبثقت عن هذه الدراسة:
• استخدام حقن موضعية دقيقة تحتوي على مواد برمجية حيوية تعيد توجيه مسارات النمو العصبي بعيداً عن مراكز الاستشعار الحساسة في العمود الفقري.
• تطوير بروتوكولات وقائية للمرضى الذين يخضعون لعمليات جراحية كبرى في الظهر لضمان عدم حدوث نمو عصبي عشوائي خلال فترة التئام الجروح.
• تقليل الاعتماد على المسكنات الأفيونية التي تسبب الإدمان، من خلال توفير بديل عضوي يعالج الخلل الهيكلي في شبكة الأعصاب المحيطة بالنخاع.
وعلاوة على الفوائد المباشرة للمرضى، يساهم هذا الاكتشاف في فهم أعمق لمرض «الألم العضلي الليفي» وغيره من الاضطرابات الحسية المعقدة التي كانت تعتبر غامضة في السابق.
إن إعادة رسم خارطة الأعصاب داخل النخاع الشوكي تتطلب دقة متناهية وفهماً شاملاً لكيمياء الدماغ، وهو ما نجح فيه هذا الفريق البحثي بامتياز.
ومع استمرار التجارب السريرية في الولايات المتحدة، يتوقع أن تظهر النتائج الملموسة في العيادات الطبية خلال السنوات القليلة القادمة، ما ينهي معاناة بشرية استمرت طويلاً نتيجة الفهم المحدود لآليات الألم العصبي.
والواقع أن منع غزو أعصاب الألم للنخاع الشوكي هو انتصار جديد للعقل البشري على تحديات الطبيعة الجسدية. وهذا الاكتشاف يؤكد أن الحلول لأكثر المشكلات الصحية تعقيداً تكمن في التفاصيل الجزيئية الدقيقة التي تحكم نمو وتطور أجسادنا.