غزة... بين الحرب الإسرائيلية والأطماع الأميركية

حصار إسرائيل يفاقم مأساة غزة ويوقف دخول المساعدات
حصار إسرائيل يفاقم مأساة غزة ويوقف دخول المساعدات
تصغير
تكبير

- «حماس» مستعدة لتسلم سلاحها... لكن المقابل لن يكون سهلاً
- يادلين: مخزون الحركة يمثل تحدياً لوجستياً هائلاً لعملية نزع السلاح سيستغرق شهوراً
- ما يظهر من سلاح «حماس» قمة الهرم وأضلاعه في الأنفاق والمخازن وفي القدرة على التصنيع العسكري

في وقت تعلن الدبلوماسية الدولية عن «تقدم تاريخي» نحو السلام، تكشف التقارير الصحافية الإسرائيلية والتصريحات الأميركية عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني والتفاوضي، خصوصاً تعقيدات ملف نزع سلاح «حماس» واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية تحت مسمى الهدنة والتي حصدت أرواح مئات الأبرياء في قطاع غزة المحاصر والمحروم من مقومات الحياة والبقاء.

ونقلت صحيفة «إسرائيل اليوم» في تقرير خاص بقلم داني زاكن، الخميس عن مصادر دبلوماسية مقربة من المفاوضات ان «حماس ستكون مستعدة لأن تسلم سلاحها في غضون بضعة أشهر، لكن المطالب التي تطرحها بالمقابل لن تكون سهلة - للسلطة الفلسطينية أيضاً، التي ترفضها حتى اليوم».

وفقاً للتقرير نفسه، تشمل مطالب الحركة أربعة محاور رئيسية:

1 - البقاء السياسي والشرعية الانتخابية

قال مصدر دبلوماسي أوروبي شارك في الجلسات التحضيرية: «تطالب حماس بحفظ الحق في البقاء كحزب سياسي شرعي يمكنه أن يتنافس في الانتخابات في السلطة الفلسطينية. هذه النقطة بالذات تثير حساسية كبيرة في رام الله».

2 - الضمانات الأمنية للقادة

وأوضح أن الحركة «تطلب حماية أو حصانة لكبار مسؤولي الحركة التي تنشق وبقوة في غزة والضفة والقدس من محاولات تصفية إسرائيل في القطاع وخارجه. لديهم ذاكرة طويلة من الاغتيالات المستهدفة».

3 - الدمج في الأجهزة الأمنية الجديدة

وأشار تقرير «إسرائيل اليوم» إلى أن حماس تطالب بـ«ضم مئات من أفراد شرطتها إلى القوة الفلسطينية التي يفترض أن تسيطر على القطاع».

واعتبر محلل أمني إسرائيلي، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أن هذا المطلب «يمثل محاولة واضحة للاحتفاظ بنفوذ أمني حتى بعد الانتقال الرسمي للسلطة».

4 - السلاح الشخصي والدفاع الذاتي

ونقلت الصحيفة عن مصادر في الوسطاء «تطالب حماس أن يبقى سلاح للدفاع عن مسؤولي المنظمة في القطاع لدى قوة صغيرة من رجالها – لمدى زمني طويل، إلى أن يشعروا بأمان».

بين الرسمية والحسابات السرية

وكشفت وثيقة استخبارية إسرائيلية حصلت عليها «إسرائيل اليوم» وذكرتها في تقريرها، أن «حماس ومنظمات أخرى تملك عشرات الآلاف من البنادق والمسدسات، ومئات قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف هاون، ولديها أيضاً عدد صغير من منصات اطلاق الصواريخ على مسافات قصيرة ومتوسطة».

وعلق الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عاموس يادلين، مدير معهد أبحاث الأمن القومي سابقاً، على هذه التقديرات قائلاً «هذا المخزون يمثل تحدياً لوجستياً هائلاً لعملية نزع السلاح. حتى لو تعاونت حماس كلياً، فإن جمع وتدمير هذه الكمية من الأسلحة سيستغرق شهوراً وليس أسابيع، كما يعلن البعض في واشنطن».

وأضاف «ما يظهر من سلاح حماس قمة الهرم وأضلاعه في الانفاق والمخازن وفي القدرة على التصنيع».

بين التفاوض والتهديد

وتناول الرئيس دونالد ترامب الملف بشكل مباشر في خطابه بمؤتمر دافوس، حيث قال: «أعتقد أنه يوجد سلام في الشرق الأوسط باستثناء بضع أوضاع صغيرة مثل حماس. حماس وافقت على التخلي عن سلاحها، أنتم تعرفون أنهم ولدوا مع السلاح في اليد وهذا ليس سهلاً عليهم».

وأضاف ترامب في الجزء الأكثر إثارة للجدل «هم ملزمون أن يفعلوا هذا ونحن سنعرف إذا كانوا سيفعلون هذا في الأيام الثلاثة القادمة ربما في الأسابيع الثلاثة المقبلة، وإذا لم يفعلوا هذا فإنهم سيصفون بسرعة».

وحلل دبلوماسي أميركي سابق، طلب عدم ذكر اسمه، تصريحات ترامب قائلاً «هذا الخطاب يجمع بين التبسيط المفرط للمشكلة (ولدوا مع السلاح في اليد) والتهديد العسكري المباشر (سيصفون بسرعة). الأكثر أهمية هو الإشارة إلى منح إسرائيل اليد الحرة إذا فشلت المفاوضات، وهو تطور خطير يقلص مساحة الحل الدبلوماسي».

الوساطة الإقليمية

ونقلت «إسرائيل اليوم» عن مصدر مطلع على المفاوضات: «في حديث بين الوسطاء، وأساساً من جانب تركيا، طرح الادعاء بأنه ينبغي التعاطي بجدية مع مخاوف مسؤولي حماس على سلامتهم الشخصية وإبداء تفهم بأنهم معنيون في أن يبقوا على قليل من السلاح كي يدافعوا عن أنفسهم».

وعلق أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تل أبيب، البروفيسور أورييل أبو، على الموقف التركي قائلاً «أنقرة تضع نفسها كحامية لمصالح حماس، لكن هذا الموقف يتعارض مع المصالح الإسرائيلية والأميركية. طلب تركيا بقاء قليل من السلاح قد يتحول مع الوقت إلى الكثير من السلاح، كما حدث في اتفاقات سابقة».

الحرب تحت غطاء الهدنة

وكتب المحامي الإسرائيلي البارز ميخائيل سفارد في مقال تحليلي بجريدة «هآرتس» الخميس تحت عنوان «وقف إطلاق النار؟ هذه الشائعة لم تصل إلى سكان غزة»: «لقد مرت ثلاثة أشهر منذ تم الإعلان عن وقف إطلاق النار... لكن يتبين أن كلمة وقف في تعبير وقف النار، رغم أنه يشير إلى قطع حاد وواضح، فإنه بالفعل مفهوم مرن ونسبي».

واستشهد سفارد بأرقام وزارة الصحة في غزة، «في ظل الوقف للنار قتل حتى الآن في القطاع أكثر من 460 شخصاً وأصيب نحو 1200 شخص».

وأضاف المحامي، الذي يمثل العديد من المنظمات الحقوقية، تحليلاً لاذعاً «ربما إذا هذه لم تعد حرب، بين، بل حرب... ضد، لكنها ما زالت حرب. من هنا فإن محرري نشرات الأخبار الذين صاغوا النص الذي بحسبه إسرائيل عادت إلى الروتين بعد الحرب، لم يتعمقوا بما فيه الكفاية في واقع القطاع».

استمرار العمليات تحت مسميات جديدة

وقال ضابط إسرائيلي سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: «ما يسمى وقف إطلاق النار هو في الواقع تغيير في نمط العمليات، وليس إنهاء لها. الجيش الإسرائيلي يحتفظ بحرية العمل في 60 % من أراضي غزة، ويواصل عمليات الاستهداف اليومية تحت ذرائع أمنية مختلفة».

وأضاف «الفرق بين الحرب السابقة والوضع الحالي هو أن القتل أصبح انتقائياً ومستهدفاً بشكل أكبر، لكنه لم يتوقف. بل إن بعض الوحدات الخاصة تعمل بشكل مكثف أكثر من ذي قبل».

انتهاك منهجي للقانون الدولي

ونقلت منظمة «بيتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان في تقرير صدر يوم 18 يناير 2026 عن مصادر طبية في غزة «من بين 36 مستشفى كانت تعمل في غزة قبل الحرب، فإن 33 تضررت بشكل كلي أو جزئي، وثلاثة فقط تعمل بكامل طاقتها».

وعلق مدير قسم غزة في «بيتسيلم» جلعاد عطير، على الوضع قائلاً «منع إدخال المعدات الطبية وقطع غيار الأجهزة هو شكل من أشكال الحرب غير المباشرة. عندما تمنع دخول أجهزة غسيل كلوي لمرضى يعتمدون عليها للبقاء على قيد الحياة، فأنت ترتكب جريمة حرب بصمت وبطء، لكن النتيجة النهائية هي القتل».

الأطفال والنساء... الضحايا الدائمون

من جانبها، وثقت منظمة «هيومان رايتس ووتش» في تقرير صدر يوم 15 يناير 2026، بناءً على زيارات ميدانية لغزة، أن «86 % من ضحايا العمليات الإسرائيلية منذ بدء ما يسمى وقف إطلاق النار هم من المدنيين، بينهم 42 % من الأطفال والنساء».

وقالت الباحثة الرئيسية في التقرير سارة ليا ويتسون: «استخدام القنابل العنقودية في المناطق السكنية، والقتل العشوائي للمدنيين على حواجز التفتيش، ومنع وصول الإسعاف للجرحى، كلها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني تحدث يومياً في غزة، رغم الادعاءات بوجود هدنة».

الربط بين ملفي غزة وإيران

وكشف مصدر أمني رفيع المستوى، نقلاً عن تقرير «إسرائيل اليوم»، أن «مسألة حماس في غزة توجد مثابة فترة انتظار بسبب الوضع في إيران. وحسب هذا المصدر فإنه إذا كانت بالفعل محاولة أميركية لإسقاط النظام هناك أو على الأقل إضعافه جداً، فسترتفع جداً الاحتمالات لنزع سلاح حماس».

وقال دبلوماسي عربي مقيم في القاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، «المفارقة أن جميع الأطراف الإقليمية تتحدث عن مصلحة الشعب الفلسطيني، لكن في الواقع، كل طرف يدفع بأجندته الخاصة على حساب هذا الشعب».

سيناريوهات محتملة

وتطرح مصادر إسرائيلية وأميركية متعددة سيناريوهات محتملة:

نجاح المفاوضات بشروط معدلة

يعتقد دبلوماسي أميركي شارك في صياغة «خطة ترامب» أن «احتمال الوصول لاتفاق يرضي جميع الأطراف ضعيف، لكن اتفاقاً مرحلياً ممكناً. قد تقبل حماس بنزع الأسلحة الثقيلة مقابل ضمانات سياسية وأمنية، مع بقاء أسلحة خفيفة لقوات أمنية فلسطينية تضم عناصر من حماس».

العودة للحرب الشاملة

يحذر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يعقوب عميدرور، الرئيس السابق للمجلس الأمني القومي، من أن «التهديد الأميركي بمنح إسرائيل (اليد الحرة) قد يدفع الحكومة الإسرائيلية نحو عملية عسكرية شاملة إذا شعرت أن حماس تماطل. المشكلة أن مثل هذه العملية ستكلف آلاف الأرواح الإسرائيلية والفلسطينية، وقد تدمر كل ما تحقق في المفاوضات».

تجميد الوضع الراهن

يرى البروفيسور مردخاي كيدار، الخبير في الشؤون العربية من جامعة بار إيلان، أن «الأكثر احتمالاً هو استمرار الوضع الحالي: مفاوضات بطيئة، وعمليات عسكرية محدودة، وحصار اقتصادي، ومعاناة إنسانية في غزة. هذا السيناريو يخدم المصالح الإسرائيلية القصيرة الأمد، لكنه يزرع بذور الانفجار القادم».

وتكشف المصادر من داخل الغرف المغلقة أن الواقع أكثر تعقيداً وأقل تفاؤلاً. السلاح في غزة ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو رمز للسيادة والمقاومة والبقاء. ونزعه يتطلب أكثر من تهديدات عسكرية أو وعود سياسية؛ يتطلب بناء ثقة دمرتها عقود من الصراع، وعدالة غائبة عن حياة شعب يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من نصف قرن.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي