مستقبل غزة... «رهينة» إسرائيل والولايات المتحدة
- من وجهة نظر نتنياهو يُمثل أي كيان دولي يُشرف على غزة تآكلاً لسيطرة إسرائيل الأحادية
- ما يُقدَّم على أنه عملية سلام... ليس سبيلاً للتعافي أو السيادة بل آلية لترسيخ واقع جديد على الأرض
لم تنظر إسرائيل قط إلى إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة على أنه سبيل حقيقي لإنهاء الحرب، بل اعتبرته آلية لإدارة الصراع وإعادة صياغته واحتوائه سياسياً، وهو صراع ألحقَ بالفعل أضراراً عسكرية ودبلوماسية ومعنوية بالغة بعد عامين من القتال المدمر. وقد تراجعت مكانة إسرائيل الدولية إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، ولم تُقدّم الخطة فرصةً للحل، بل لتحسين الصورة، سواءً لإسرائيل أو لترامب نفسه.
بعد إعلان وقف النار مباشرةً، خف اهتمام وسائل الإعلام بالتحركات الإسرائيلية في غزة، ليحل محله خطاب سياسي جديد يتمحور حول وعد «خطة سلام». لم يكن لهذا التحول أي صلة تُذكر بالواقع على الأرض. وقد تجلى هذا التناقض بوضوح عندما أعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، إطلاق المرحلة الثانية من الخطة، على الرغم من أن المرحلة الأولى لم تكن اكتملت ولم تُنفذ بالكامل.
وكشف تسلسل الأحداث أن المبادرة كانت مجرد إعلان ارتجالي، أقرب إلى أداة علاقات عامة منها إلى دليل على جهد جاد لإنهاء الحرب.
انحياز أميركا وانهيار المرحلة الأولى
كان أوضح مؤشر على انحياز واشنطن لإسرائيل، هو قرار ويتكوف بالتخلي عن جهود فتح معبر رفح، وهي خطوة كان ينبغي اتخاذها قبل أشهر. لم يكن هذا تأخيراً تقنياً، بل إشارة سياسية. ولم تكن لدى تل أبيب أي نية للانسحاب، ولا للتقدم إلى المرحلة الثانية ولا لتسليم رفح ولا للسماح بإعادة إعمار حقيقية في غزة.
في الوقت عينه، استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية بغطاء سياسي واضح. استشهد أكثر من 400 فلسطيني خلال ما كان يُفترض أن يكون المرحلة الأولى، إلى جانب عمليات الاغتيال المستهدفة لقادة من «كتائب القسام». كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: أي افتراض بأن المرحلة الثانية ستجلب الهدوء أو الاستقرار إلى غزة هو وهم. فإسرائيل إحتفظت بحرية التصرف الكاملة. العنصر الوحيد الذي صمد خلال المرحلة الأولى هو التزام الجانب الفلسطيني بالاتفاق، وهو التزام لم يُقابل بمقابل.
«حماس» ومنطق الامتثال المقيد
اختارت «حماس» عدم مواجهة المسعى الأميركي في شكل مباشر، رغم إدراكها التام لانحياز واشنطن لمصلحة إسرائيل. واجهت الحركة معضلة حقيقية: إما قبول إطار أميركي يوقف على الأقل المرحلة الأكثر تدميراً من الحرب، أو المخاطرة بالعودة إلى حرب شاملة وإبادة، وهو عبء لم يعد في إمكان الشعب الفلسطيني تحمله. في ظل هذه الظروف، استمرت الحركة في التمسك بالاتفاق رغم الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.
كان الهدف من هذا الموقف هو تهيئة المجال لحكومة تكنوقراط فلسطينية، مؤلفة من 12 عضواً ومكلفة إدارة غزة، لمحاولة إعادة الإعمار ومقاومة طموح إسرائيل في الحفاظ على وجود دائم في القطاع. إلا أن هذه الحكومة لم تُصمم قط لممارسة سلطة حقيقية. لم تكن تمتلك آليات إنفاذ ولا سيطرة أمنية ولا نفوذاً على تصرفات إسرائيل. كان دورها إدارياً ورمزياً، لا سيادياً.
إستراتيجية نتنياهو وتحييد التدويل
فسّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق وفقاً لشروطه الخاصة فقط، فلم يتراجع ولم يتنازل. ولم يماش الضغط الأميركي إلا إذا اقترن بحرية عملياتية غير مقيدة: استمرار الاغتيالات، إغلاق معبر رفح ورفض الانسحاب من أكثر من 54 في المئة من قطاع غزة. وكان مستعداً لانتظار اللحظة المناسبة لإلقاء مسؤولية الفشل على الحكومة التكنوقراطية نفسها.
في الواقع، لم يكن يهم نتنياهو سوى قضية واحدة: فشل نزع سلاح «حماس». أما القضية الفلسطينية الأوسع فبقيت ثانوية. في ظل هذه الظروف، لم يمتلك الفلسطينيون أي وسيلة فعالة لتغيير الوضع الراهن أو لفرض بنود اتفاق السلام الذي طرحه ترامب.
هذا المنطق هو ما شكّل رد فعل نتنياهو على إعلان واشنطن على ما يُسمى «مجلس السلام لغزة». ولم يُقنع ادعاؤه العلني بأنه لم يُطلع على تفاصيله أحداً تقريباً داخل إسرائيل. فهو يطلع على كل خطوة أميركية مهمة تتعلق بغزة، لا سيما تلك التي تمس الحكم أو البنية الأمنية. لم يكن إنكاره مجرد سهو، بل كان خطوة محسوبة لكسب الموقف، مُشيراً إلى المعاندة من دون إثارة قطيعة صريحة مع واشنطن.
من وجهة نظر نتنياهو، يُمثل أي كيان دولي يُشرف على غزة تآكلاً لسيطرة إسرائيل الأحادية. فالتدويل يعني سلطة مشتركة، وإشرافاً خارجياً، وقيوداً على حرية إسرائيل العسكرية في العمل. هذا هو الخط الأحمر الذي وعد شركاءه في الائتلاف اليميني المتطرف بعدم تجاوزه. ونتيجة لذلك، لا تُرفض الأطر الأميركية رفضاً قاطعاً، بل تُفرغ من مضمونها بسبب التأخير والغموض والعرقلة الإجرائية.
غزة كورقة ضغط في معادلة إقليمية أوسع
أدى هذا النهج إلى تباين جوهري بين واشنطن وتل أبيب. تنظر الولايات المتحدة إلى التدخل الدولي كآلية استقرار، ووسيلة للحد من التصعيد وإظهار تقدم سياسي. بينما يراه نتنياهو عبئاً يُضعف الردع ويُرسي سوابق للتدخل الخارجي.
حوّل الجمود الناتج التنسيق إلى مساومة. فُسِّر قرار نتنياهو، الذي نُقل عنه إرسال رئيس «الموساد» إلى واشنطن، على نطاق واسع ليس كمشاورات روتينية، بل كمحاولة لمعاودة التفاوض على المعادلة الإقليمية الأوسع. أصبحت غزة ورقة مساومة بدلاً من كونها قضية مستقلة، مرتبطة بالمواقف الأميركية تجاه «حزب الله» وإيران. وُضعت التنازلات المحدودة في غزة على أنها مشروطة بالتزامات أميركية في أمكنة أخرى.
بالنسبة إلى إسرائيل، ظلت الأولوية هي الحفاظ على حرية العمل ضد «حزب الله» وإيران مع تجنب أي عملية سياسية في غزة قد تُقيّد العمليات العسكرية المستقبلية أو تُمكّن هياكل حكم غير مرغوب فيها. بالنسبة إلى واشنطن، تمثل التحدي في إدارة حليف يعتمد بقاؤه السياسي الداخلي على مقاومة النتائج التي تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيزها.
الحدود الفعلية ونهاية الوهم
ما ظهر على أرض الواقع هو واقع جديد ذو عواقب وخيمة. فقد أصبح ما يُسمى بالخط الأصفر، الذي انسحبت إليه إسرائيل داخل غزة، حدوداً فعلية. هذا الخط ليس موقتاً، بل هو المكسب الإستراتيجي الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه، جغرافياً وسياسياً، لطمأنة قاعدتها اليمينية المتطرفة وتطبيع وجود إسرائيلي دائم داخل القطاع.
بهذا المعنى، تجمدت خطة السلام عند مرحلتها الأولى. أما المرحلة الثانية، فهي مجرد كلام. فقد اقتصرت على إجراءات شكلية تشمل حكومة تكنوقراط ومجلس سلام، بينما ما زالت بنودها الأساسية معطلة. وما زال معبر رفح مغلقاً أمام وصول المساعدات الإنسانية الفعّالة. وتُقيّد المساعدات الغذائية، وتُعرقل حركة المدنيين بين غزة ومصر، وتُشلّ التدفقات التجارية، ولا توجد عملية إعادة إعمار جادة، على الرغم من تدمير نحو 80 في المئة من غزة خلال عامين من الحرب المدمرة.
ما يُقدَّم على أنه عملية سلام ليس سبيلاً للتعافي أو السيادة، بل هو آلية لترسيخ واقع جديد على الأرض. لم تعد غزة محاصرة فحسب، بل يجري إعادة تعريف حدودها، وتحييدها سياسياً، وإدارتها إدارياً بطريقة تحافظ على حرية إسرائيل في العمل مع تعليق حقوق الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى. هذا ليس فشلاً في التنفيذ، بل هو نجاح إستراتيجية.