خواطر صعلوك

كارل ماركس يرتدي «ليفايس»...!

تصغير
تكبير

عزيزي القارئ، دعني قبل أن أحدثك عن البنطلون الذي أسقط الستار الحديدي، أن أطلب منك أن تُعد لنفسك كوباً من الشاي بالهيل أو النعناع «حسب سياقك» لكي تشعر معي بكمية الدفء التي في هذا المقال الشتوي.

يبدو أن «الجهابذة» الذين، يشتركون جميعاً في جين وراثي واحد، عابر للقارات وللأزمنة... هذا الجين يجعلهم يظنون أنهم الأفضل هي كائنات هشة جداً، يمكن أن تنهار بسبب أغنية، أو قَصة شَعر، أو حتى بسبب «بنطلون».

نعم يا سادة، لا تضحكوا... ففي السبعينات، وبينما كان العالم يغلي بصراعات الحرب الباردة، تفتق ذهن (الرفاق) في الكتلة الشرقية عن اكتشاف خطير: العدو ليس فقط في الرؤوس النووية الأميركية، بل في «القماش الأزرق»... قرر سدنة المعبد الشيوعي أن سروال الجينز، وتحديداً ماركة «ليفايس» (Levi’s)، هو رجس من عمل الشيطان، ورمز صارخ إلى انحلال الرأسمالية الذي يجب بتره قبل أن يتفشى في جسد الأمة الاشتراكية الطاهر وأهل الطيبين الشرفاء.

تصوروا المشهد العبثي -أو البعثي- إن شئتم... دولة تملك ترسانة عسكرية قادرة على محو الكرة الأرضية، لكن ركبتيها ترتعدان رعباً من بنطلون «جينز» يرتديه مراهق في برلين الغربية!

أصدرت السلطات فرماناتها العنترية... ممنوع الاستيراد، ممنوع البيع، واللعنة على من يضبط متلبساً بارتداء هذا القماش «الفاسد».

ولأن الغباء السلطوي هو أصدق حليف لأعدائه، حدث ما يحدث دائماً في كتب التاريخ التي لا يقرأها أحد... تحول هذا المنع الغاشم إلى أكبر حملة دعاية مجانية للرأسمالية، لم يدفع فيها الأميركان سنتاً واحداً.

فبدلاً من أن ينقرض الجينز، تحول إلى «سلعة حرية» نادرة، وأصبحت له سوق سوداء تزدهر في الظلام وتخرج لسانها للنظام... وصل الهوس بالشباب المقموع إلى درجة أنهم كانوا يدفعون ما يقارب 500 دولار ثمناً للزوج الواحد المهرب في ألمانيا الغربية.

هل تتخيلون الرقم؟ 500 دولار في السبعينات، وفي دول اشتراكية فقيرة، ثمن لقطعة قماش خشنة كان يرتديها عمال المناجم ورعاة البقر!

لكنه لم يكن قماشاً... كان راية... لقد أدرك الشباب أن ارتداء الجينز سراً لم يكن بحثاً عن الأناقة، بل كان «رمزاً للتمرد على السلطة». كان الشاب منهم يمشي في الشارع ببنطاله الأزرق المهرب وكأنه يقول للحزب الحاكم: «أنا هنا، وأنا حر، وسأرتدي ما منعتموني منه». وكما علقت الصحف الغربية وقتها بشماتة وسخرية، فإن الجينز المهرب بات يمثل الروح الأميركية التي تسللت إلى عقول الشباب المقسومين بين واقع اشتراكي بائس وحلم رأسمالي براق.

لقد أراد (الرفاق) حماية المجتمع من الانحلال، فانتهى بهم الأمر إلى تحويل «البنطلون» إلى أيقونة مقدسة للحرية الفردية، وجعلوا كل ممنوع مرغوباً بأضعاف مضاعفة، في درس بليغ يؤكد أن أغلى أنواع الدعاية هي تلك التي يصنعها لك عدوك.

إن ما حدث مع البنطلون الجينز، يثبت حقيقة كونية يحاول الطغاة والوصاة تجاهلها دائماً وهي أن الشباب مثل الماء، والحرية هي الجاذبية... فمهما بنيت من سدود، ومهما صببت من خرسانة المنع، ومهما عليت أسوار «اللاءات»، فإن الشباب سيجدون دائماً شقاً صغيراً، أو ثقباً خفياً، ليتسربوا منه... إنهم يحفرون قنواتهم الخاصة بجلد وصبر، يلتفون حول الصخور، وينحتون في الجبال، ليصنعوا مجراهم الذي يريدون.

قد تمنع عنهم الموسيقى، فيغنونها في الأقبية. قد تمنع عنهم البناطيل، فيشترونها بأقوات يومهم... قد تغلق عليهم الإنترنت، فيخترعون لغتهم المشفرة...

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي