pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

مشاهدات

قطر... صورة مُشرقة للعرب

افتتاح رائع وتنظيم مميز، جماهير ورؤساء دول وإعلام وكل شيء اجتمع في وقت واحد.

هكذا تمكنت دولة قطر الصغيرة مساحةً والكبيرة تأثيراً من تحقيق حلم العرب في استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم، وتنظيم نسخة فريدة من تلك البطولة العالمية.

بدأت المسيرة بتعاون متكامل بين جميع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، ودعمت الدولة كل المشاركين للتحضير لتلك الفعالية الكبرى، فحرصت على تذليل كل العقبات التي تعوق التحضيرات، وتم الاعتماد على مبتكرين ومفكرين من ذوي الكفاءة رسموا المستقبل لكرة القدم العالمية في دولة قطر وجعلت ما كان مستحيلاً وحلماً واقعاً ملموساً.

ما يميز دولة قطر هو استثمارها في بناء قوتها البارزة خلال العقدين الماضيين تحديداً، وذلك من خلال التركيز على مجالات عدة، منها الاستثمار في الإنسان القطري لتأهيله لحمل المسؤولية في بناء الدولة الحديثة القائمة على التكنولوجيا واستضافتها للفعاليات الرياضية، وآخرها وأكبرها بطولة كأس العالم التي تعد تتويجاً لقوة قطر، فقد اتجهت إليها أنظار العالم بأسره، وأصبحت على لسان الملايين من البشر حول العالم.

إن بطولة كأس العالم الحالية ليست فخراً لقطر فقط، بل هي فخر للشرق الأوسط بمجمله وتلك البطولة تمثّل النمو الحضاري لهذه المنطقة.

لقد حققت قطر من خلال تنظيمها الرائع لبطولة كأس العالم، أكبر مكسب للعرب جميعاً، فبفضل جهودها تغيرت الصورة النمطية للعربي في أذهان الغربيين، والمرتبطة بالبداوة والتخلف والاسراف في إنفاق المال، فاستطاعت قطر أن تبدل هذه الصورة إلى صورة العربي صاحب القيم والمبادئ، والاحترام والرقي العربي الطموح المجتهد المنفتح على الغير بعيداً عن التعصب.

ما نستنتجه من نجاح قطر في تنظيم نسخة فريدة من كأس العالم لم يكن أمراً بدهياً أو معجزة سحرية، كل ما نراه أمامنا يدل على أن هذه الدولة تراكمت لديها خبرات طويلة في تنظيم الفعاليات والأحداث العالمية، والاستعدادات المسبقة التي بدورها تفادي الأخطاء والعقبات المفاجئة.

وأقرب مثال على ذلك هو «البروفة» المصغرة التي سبقت كأس العالم، والمتمثلة في تنظيم بطولة كأس العرب 2021، وقبل فترة وجيزة من انطلاق فعاليات بطولة كأس العالم، أعلن الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عن فوز قطر باستضافة بطولة كأس آسيا في العام المقبل 2023.

ودولة قطر نظمت العديد من الفعاليات والأحداث العالمية، ومنها مؤتمر المناخ في عام 2012.

ومما يميز هذه البطولة، الضيافة والحفاوة التي وجدها زوار قطر أثناء المونديال ومن ذلك هدايا الجمهور الثمينة في حفل افتتاح البطولة، والمواصلات المجانية، والفعاليات المتعددة، والمرافق المفتوحة للترفيه في مناطق مختلفة، وكذلك قرب الملاعب من بعضها ومن أماكن إقامة الجماهير، ووجود عدد كبير من المتطوعين في كل مكان لإرشاد الضيوف وتقديم المساعدة لهم، ما أعطى انطباعاً مثالياً للضيوف وذلك وسام يتباهى به الشعب القطري الشقيق.

إن تنظيم هذه البطولة في قطر سوف تخلف وراءها مكاسب ستبقى بعد كأس العالم، وهي البنية التحتية الحديثة التي تم إنجازها في معظم المناطق والتي غيرت وجه قطر تماماً.

والقطاع الرياضي في قطر ربح 8 ملاعب جديدة ومتطورة، و(ملعب 974 الذي تم بناؤه موقتاً باستخدام حاويات البضاعة سيتم تفكيكه)، وعشرات المواقع للتدريب التي يمكن فتحها للشباب لكي تُسهم في بناء قاعدة كروية من الأطفال والشباب تستفيد منها الأندية المحلية، ويستفيد منها المنتخب القطري، سواءً المنتخب الحالي أو المنتخبات التي ستأتي مستقبلاً.

إن هذا النمو والتطور وتحقيق نهضة ملموسة في العديد من المجالات، وسر النجاح لم يكن نتيجة الوفرة المالية فقط، فهناك دول غنية ولكنها لم تحقق ما حققته قطر من تقدم، فكل هذه المكاسب والأرباح والنجاحات التي حققتها قطر في العديد من المجالات لم تأت برفع الشعارات الفارغة والوعود الكاذبة وإنما تحققت من خلال الاهتمام بالمواطنين وتوفير التعليم الجيد والرعاية الصحية، من يعش في قطر يدرك حجم الأمن والأمان الذي يعيش فيه الناس في هذا البلد الآمن، كما قال الإمام علي (عليه السلام):(نعمتان مجهولتان الصحة والأمان).

إن دولة قطر قد أبهرت العالم، وما نشاهده اليوم أمام أعيننا أصبح بمثابة دروس نتعلم منها من أجل تحقيق طموحاتنا وآمالنا وتعزيز الثقة في نفوس كل العرب.

فالقيادة السياسية لا تعرف المستحيل، ولا توجد في قاموسها كلمة لا نستطيع، خاصة أن قطر تعد أول دولة عربية وشرق أوسطية تنجح في الفوز باستضافة أهم وأكبر حدث رياضي عالمي، فالفوز بتنظيم هذا النوع من البطولات أمر لا يستهان به ولا شك أن وراءه عملاً دؤوباً وتخطيطاً سليماً من رأس القيادة لأصغرها، وهو الأمر الذي أسعد جميع العرب وجعل العديد من المسؤولين في العالم العربي يسارعون إلى إبداء دعمهم ومساندتهم لقطر، وهذا بحد ذاته ربما يكون سبباً في عودة القلوب إلى تآلفها (فالرياضة هي من تقرب القلوب وليست السياسة) وقد أكدت هذه البطولة ان الرياضة لها دور أساسي في التقارب بين الشعوب وليست السياسة، وكان لمشهد العناق والمواساة بين اللاعبين الاميركي والايراني تأثير عاطفي كبير على من شاهد هذا الحدث يدل على ان علاقة الشعوب ببعضها قد لا تتوافق مع سياسة قادتها في الكثير من الأحيان.

قطر تعتز بأخلاقها وتقاليدها ولها الريادة في ذلك... وفي تنظيمها لكأس العالم لم تكشف عن وجهها الرياضي فقط تحضيراً وتنظيماً، بل بينت وجهها الأخلاقي والإنساني وهي تتعامل مع العالم باحترام وتقدير وكرم أصيل، ولهذا فإن مونديال 2022 سيصبح علامة فارقة في العلاقة بين الشعوب والحضارات وستفشل كل الرهانات التي تريد غير ذلك، وستبقى هذه اللحظات التاريخية خالدة في تاريخ الأمة لتفتخر بها الأجيال القادمة وتسير على خُطاها.

واللافت للنظر انها استطاعت ان تحافظ على الثوابت الاسلامية رغم ما واجهته من تحديات وصعوبات من بعض الدول، والعجيب في الأمر وليس عجباً ان يرفع الأذان في وقته وتتوقف المباراة لحين انتهاء الأذان، وقد فَعَلْت الجوانب الانسانية المبهرة حين قدمت الشاب منصور غانم من ذوي الاحتياجات الخاصة في افتتاح البطولة مع الممثل الأميركي مورغان، ودار حديث شيق بينهما حيث سأله مورغان بأن دول العالم متباعدة ومنقسمة فكيف نستطيع أن نجمعها ونحن منقسمون ومختلفون ثقافياً ؟ فرد عليه الشاب غانم مستشهداً بالآية الكريمة: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

نعم، وبكل فخر دولة قطر مساحتها صغيرة انما ولله الحمد تمكنت بجدارة من إدارة تلك الفعالية الكبرى وبكل احترافية، بدءاً من استقبال عشرات الألوف من المشجعين القادمين لمؤازرة دولهم على مدى أيام المنافسة، وكذلك التنظيم المبهر في عملية الدخول ومغادرة الملاعب بكل سلاسة وأمان.

ولست مبالغاً ان اقول ان هذا المونديال متفرد بقيمته وعطائه وتنظيمه ولن يتكرر فى دولة ما.

مع كل ذلك، قطر التزمت بتطبيق قوانين الدولة ولم تتساهل بذلك فمنعت دخول المشروبات الروحية إلى الملاعب، ومنعت نشر شعارات المثليين، وكذلك منعت اللباس الذي يشير إلى حقبة سابقة منعاً لبث روح الكراهية والفتن، والتزمت بعقيدتها الاسلامية ولم تخف في الله لومة لائم بمنعها مثل هذه الأمور، فالاسلام دين التسامح والمحبة والسلام الذي يحترم جميع الأديان.

( بالفعل رفعتوا الراس يا شعب قطر ).

ختاماً،

وإن لم يتمكن المنتخب القطري من التأهل للدور الـ 16 لقوة وخبرة الفرق المشاركة، الا انها نالت شرف تنظيم البطولة وذلك هو الربح الأكبر.

ونرجو من الدول الخليجية الاستفادة من تلك التجربة القطرية الكبرى، فالأموال والخبرات متوافرة لدى الدول الخليجية، والعلم إن لم يتوافر لديها خصوصاً العلوم التكنولوجية الحديثة فإنها تستطيع ان تشتريه بالأموال، وعن طريقهما (المال والعلم) تبني الأمم حضاراتها وتتقدم وتتميز عن بقية الأمم في ركب الحضارة الإنسانية.

فالشيء بالشيء يذكر، الكويت كانت سباقة بكل شيء وعلى كل الاصعدة، نحن لا نحتاج إلى كفاءات ولا خبرات، فكل هذه الامور موجودة لدينا في وطننا، نحتاج فقط إلى ادارة وقرار وإتاحة الفرصة للاكفاء من الشباب.

بالعلم والمال يبني الناس ملكهمُ

لم يبنَ ملكٌ على جهل وإقلال

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي