في مشهد يتكرر يومياً في الضفة الغربية المحتلة، تتحول حياة الفلسطينيين إلى جحيم متصاعد، ليس بسبب الاحتلال العسكري التقليدي فحسب، بل بسبب تحول المستوطنين إلى «ميليشيات مسلحة» تعمل تحت حماية جيش الاحتلال تقتل وتسرق وتدمر وتنغص حياة المواطنين العزل بحماية ورعاية وتسليح من الجيش، وبموافقة سياسية صريحة من أقصى حكومة يمينية في تاريخ إسرائيل.

لم تعد جرائم المستوطنين مجرد «حوادث فردية» أو «تجاوزات»، بل أصبحت أداة منهجية لتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وترويعهم، ودفعهم نحو الهجرة القسرية، في إطار مخطط استيطاني واضح يهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية، وضم الضفة تدريجياً.

ويخلص المشهد اليوم إلى أن المنطقة باتت أقرب من أي وقت مضى إلى انفجار شامل، قد يكون أخطر من الحروب التقليدية، لأنه صراع وجودي يمارس بأدوات الفصل العنصري والإرهاب المنظم.

بُعد أمني - عسكري

ويشير المحلل العسكري يوسي يهوشع، في تقرير بصحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى أن «الضفة تحولت إلى مستنقع يستنزف الفلسطينيين شعب وأرض بشكل غير مسبوق»، موضحاً أن «ثلاثة عوامل رئيسية تدفع المنطقة نحو الانفجار... تتضمن التوسع الاستيطاني الجنوني، حيث تمت الموافقة على إنشاء 80 مستوطنة جديدة، بالإضافة إلى أكثر من 100 بؤرة ومزرعة رعوية، مما وسع رقعة الأرض التي يتعين على الجيش حمايتها، واستنزف موارده البشرية واللوجستية.

كما تتضمن نشر 26 كتيبة في الضفة، وهو عدد غير مسبوق، لكنه ليس دليلاً على القوة، بل مؤشر على «الاستنزاف»، حيث يستخدم الجيش قوات التدريب لمواجهة الاحتجاجات الفلسطينية، وحماية المستوطنين أثناء اعتداءاتهم على القرى والمدن.

والعامل الأخير هو دوامة الانتقام، فبعد كل حادثة إطلاق نار فلسطينية، يشن المستوطنون هجمات انتقامية منظمة، كما حدث بعد عملية «حفات جلعاد» التي أدت إلى مقتل 4 فلسطينيين وإصابة العشرات، حيث أحرق المستوطنون المساجد والمركبات في قرى فلسطينية، وكتبوا شعارات عنصرية، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ أيام العنف الطائفي.

ويخلص يهوشع، إلى أن الجيش، الذي يفترض به الفصل بين الفلسطينيين العزل والمستوطنين المدججين بالسلاح، أصبح «طرفاً في الاعتداءات»، حيث ازدادت جرائم «القوميين اليهود» بنسبة 63 في المئة في النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة السابقة.

ويكشف المحللان آساف بوندي وآدم راز، في صحيفة «هآرتس»، أن النظام القضائي والعسكري يعمل كـ «آلة صماء» تحمي مرتكبي الجرائم بحق الفلسطينيين.

ويستشهدان بتقرير لـ «بار بيلغ» (هآرتس) حول فتح عشرات ملفات التحقيق في وفيات فلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية، من دون أن تؤدي أي من هذه التحقيقات إلى محاسبة المجرمين من المستوطنين.

ويصف بوندي وراز، هذا الأمر بأنه ليس «خللاً بنيوياً»، بل هو «نظام وظيفته نشر الجهل»، حيث يتعمد الجيش والشرطة إفشال التحقيقات بتنسيق الشهادات، ووصف شهود العيان الفلسطينيين، بالكذب، وإتلاف الأدلة.

أما في ما يتعلق بالمستوطنين، فيؤكدان أنهم ينفذون هجماتهم «بحماية الجيش وتواطؤه»، حيث يتجولون في ضواحي القرى الفلسطينية «لبث الرعب»، وتُعالج جرائمهم على أنها «نزهة» بريئة.

مشروع الضم والترحيل

في السياق، يرصد المحلل روغل الفر، في«هآرتس»الأبعاد الكارثية للسياسة الإسرائيلية، مؤكداً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يدفع الفلسطينيين «بأقصى ما يستطيع» نحو «انتفاضة ثالثة»، لأن ذلك يخدم مشروعه السياسي في منع إقامة دولة فلسطينية، وتحويل الصراع من صراع سياسي إلى صراع دموي يسمح بفرض الأمر الواقع.

ويشير الفر، إلى أن نتنياهو، يستخدم التهديد الإيراني كورقة لتشتيت الانتباه، بينما يترك «الخيار الأفضل» للنهاية وهو ما قد يؤدي لتفجير الأوضاع في الضفة، ووضعها تحت حكم عسكري عنصري، حيث يعيش الفلسطينيون حالة من القمع اليومي، حيث تُحرق مساجدهم، وتُسرق ممتلكاتهم، وتُقتل أرواحهم من دون محاسبة، في مشهد يذكّر بأسوأ أنظمة الفصل العنصري في القرن العشرين.

أما وزير المال اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، فيبتسم متفاخراً بتقارير حول تسريع وتيرة الضم، ووزير الدفاع العنصري يسرائيل كاتس، يزور مستوطناً معتقلاً إدارياً بتهمة التنكيل بالفلسطينيين، في رسالة واضحة أن «الجريمة لم تعد بعيدة عن العدالة فقط، بل بات يحتفى بها علناً»، وفق تعبير بوندي وراز.

ذراع إرهابية للحكومة

ويشير الفر، إلى أن المستوطنين ينفذون هجماتهم بغطاء عسكري واضح، حيث يتواجد الجيش في محيط القرى أثناء الاعتداءات، ولا يتدخل إلا لحماية المستوطنين إذا واجهوا مقاومة يتدخل لقمع وضرب الفلسطينيين.

وقد وثّق نحو 1200 اعتداء للمستوطنين في النصف الأول من 2026، شملت حرق مساجد، وتدمير بساتين، وسرقة مواشي، وترويع نساء وأطفال، في محاولة منهجية «لتفكيك النسيج الاجتماعي ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة».

إلى ذلك، كتب المحلل ناحوم برنياع، في «يديعوت أحرونوت» مقالاً بعنوان «الحكومة تقود إلى انتفاضة»، حيث يرى أن الانتفاضة الثالثة، إن اندلعت، ستكون «الأولى التي تنطلق بمبادرة من الحكومة الإسرائيلية ووفقاً لرؤيتها».

فهو يصف خطة الحكومة بوضوح وهي تحويل البؤر الاستيطانية غير القانونية إلى مزارع شر، تجريد الفلسطينيين من أراضيهم، دفعهم نحو الهجرة القسرية، والوصول إلى «الترحيل الجماعي إلى الشرق».

ويوجه برنياع، انتقاداً حاداً لقيادة الجيش التي تدفن رأسها في الرمال، وتتعامل مع إرهاب المستوطنين على أنها «حوادث معزولة»، بينما هي في الواقع جزء من رؤية سياسية واضحة. ويذكر أن واجب القائد العسكري ليس فقط حماية المستوطنين، بل «فرض حكمه على المنطقة، وضمان أمن كل لسكان- خصوصاً الواقعين تحت الاحتلال-»، سواء كانوا فلسطينيين أم إسرائيليين.

نحو انفجار لا مفر منه!

وتُجمع التحليلات الإسرائيلية والفلسطينية والدولية على أن الضفة تقف على حافة الهاوية. الحكومة الحالية، بسياساتها الاستيطانية المتسارعة، ودعمها العلني لعنف المستوطنين، وإفلاتهم من العقاب، لا تكتفي بإهمال الوضع الإنساني المأسوي للفلسطينيين، بل تسعى عمداً لإشعال فتيل مواجهة شاملة، لأسباب سياسية داخلية (تحويل الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والقضائية)، ولأسباب أيديولوجية (فرض السيادة اليهودية على الضفة ومنع قيام دولة فلسطينية).

وتخلص السيناريوهات المتوقعة إلى الانتفاضة الشعبية المسلحة، وفي حال استمرار الاقتحامات اليومية للمدن والقرى، وتصاعد جرائم المستوطنين، قد تتحول الاحتجاجات العفوية إلى انتفاضة شاملة، تشارك فيها فصائل مسلحة، ما يؤدي إلى دوامة عنف طويلة الأمد.

وسيناريو التدخل الدولي، مع تزايد الأدلة على جرائم ضد الإنسانية، قد تضطر المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق رسمي، ما يضع إسرائيل في مواجهة دولية غير مسبوقة، خصوصاً مع تغير الموقف الأوروبي تدريجياً نحو فرض عقوبات.

ما يحدث في الضفة ليس مجرد «تصعيد موقت»، بل هو سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير ديمغرافي وجغرافي لها، بالقوة والترويع. المستوطنون، وبحماية الجيش وتشجيع الحكومة، يمارسون إرهاباً منظماً، ليس ضد الأفراد فحسب، بل ضد الوجود الفلسطيني بأسره.

وإذا لم يتدخل المجتمع الدولي بسرعة، وإذا لم تتغير السياسة الإسرائيلية جذرياً، فإن المنطقة مقبلة على انفجار ستكون تداعياته أخطر لأنه صراع على الهوية والوجود ترتكب فيه جرائم واعمال إرهابية برعاية إسرائيلية.