يثير مشروع «شاهين» جدلاً واسعاً حول طبيعته، وما إذا كان يمثل استثماراً إستراتيجياً لتطوير البنية التحتية للقطاع النفطي، أم أنه في جوهره عملية اقتراض مالي صيغت في إطار استثماري لتجنب تسجيلها كدين مباشر في دفاتر مؤسسة البترول الكويتية، وما يترتب على ذلك من آثار مالية وانعكاسات على مركزها المالي.

وتبلغ قيمة التمويل نحو 16 مليار دولار، تمتد فترة استحقاقه إلى عشرين عاماً ونصف العام، ويخصص لتطوير شبكة أنابيب النفط الخام في الكويت، التي تضم ثلاثة عشر خطاً بطول إجمالي يبلغ 320 كيلومتراً داخل الأراضي الكويتية.

ووفقاً للهيكل المعلن، ستتولى إدارة هذه الأصول ثلاثة من أكبر الصناديق الاستثمارية العالمية، هي «بلاكستون» و«بروكفيلد» و«كيه كيه آر»، في إطار نموذج يقوم على التمويل الخارجي وإعادة تأجير الأصول.

ويمثل هذا المشروع تحولاً مهماً في فلسفة تمويل القطاع النفطي الكويتي، إذ يفتح الباب أمام الاستعانة بتحالفات مصرفية عالمية، بمشاركة بنوك محلية، لتمويل أحد أهم أصول الدولة وأكثرها حساسية، وهو قطاع النفط الخام، الذي ظل لعقود بعيداً عن مثل هذه الصيغ التمويلية. وبموجب هذا النموذج، يتم تأجير خطوط الأنابيب إلى التحالف الاستثماري، ثم إعادة تأجيرها إلى شركة نفط الكويت، مقابل التزامات مالية تقدر بنحو 800 مليون دولار سنوياً طوال مدة العقد.

غير أن هذه الخطوة تثير تساؤلات تتجاوز الجانب التمويلي. فإذا كانت الدولة قد قررت الانفتاح على التمويل الخارجي، فلماذا لا يمتد هذا الانفتاح إلى شراكات استثمارية أوسع أو إلى خصخصة جزئية لبعض الأنشطة النفطية؟ ولماذا لا يعاد النظر في أوضاع شركات كانت في الأصل مملوكة للقطاع الخاص، مثل شركة ناقلات النفط الكويتية وشركة صناعة البتروكيماويات، في حين كانت شركة البترول الوطنية الكويتية مملوكة بنسبة 40 في المئة للقطاع الخاص قبل انتقالها بالكامل إلى ملكية الدولة؟

إن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة شاملة لأداء القطاع النفطي الكويتي وشركاته التابعة، ليس فقط من الناحية المالية، وإنما أيضاً من حيث الكفاءة والإنتاجية والقدرة على المنافسة. ومن الضروري مقارنة أداء هذه الشركات بنظيراتها في المنطقة، مثل أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية وبابكو البحرينية، فضلاً عن مقارنتها بكبرى شركات النفط العالمية، للوقوف على مكامن القوة والقصور، ووضع خطط تطوير تستند إلى مؤشرات أداء واضحة.

كما يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل أجريت مراجعة علمية محايدة لأداء الشركات النفطية الكويتية قبل انتقالها إلى الملكية الحكومية الكاملة وبعدها؟ وهل انعكس هذا التحول إيجاباً على الكفاءة والربحية والإدارة؟ وربما يكون ديوان المحاسبة الجهة الأنسب لإجراء مثل هذه الدراسة، لما يمتلكه من خبرة رقابية وعلاقات مؤسسية تتيح له إجراء مقارنات مهنية مع الشركات النفطية الوطنية في دول الخليج، بما يساعد على تقييم السياسات الحكومية المتعلقة بإدارة هذا القطاع الحيوي.

ومن جهة أخرى، يثير المشروع تساؤلات لدى المختصين تحديداً حول أسباب اقتصاره على خطوط أنابيب النفط الخام دون غيرها من الأصول، ولماذا لم يشمل خطوط نقل المشتقات النفطية التابعة لمصافي الأحمدي وميناء عبدالله والزور، أو بعض الشركات التي يمكن أن يوفر طرح جزء من ملكيتها إيرادات مالية مباشرة للدولة، خصوصاً في ظل استمرار عجز الميزانية والحاجة إلى تعزيز السيولة، بدلاً من الاعتماد على الاقتراض الخارجي.

وتبرز هنا شركة ناقلات النفط الكويتية، التي يقتصر نشاطها على نقل النفط الخام والمشتقات النفطية والغاز، وكذلك شركة صناعة البتروكيماويات التي ترتبط بشراكات إستراتيجية مع شركات عالمية، من بينها شركة «داو كيميكال» الأميركية. كما يمكن إعادة طرح نسبة من أسهم شركة البترول الوطنية الكويتية للقطاع الخاص، بما يوفر للدولة موارد مالية فورية، ويعيد إشراك المستثمرين في تحمل مسؤولية تطوير هذه الشركات وتمويل توسعاتها، مع إتاحة الفرصة للمواطنين للمساهمة فيها من خلال الاكتتاب العام، كما شهدت الكويت في تجارب اقتصادية ناجحة خلال العقود الماضية.

وفي النهاية، قد يشكل مشروع «شاهين» نقطة تحول في مسار القطاع النفطي الكويتي، إذا كان مقدمة لانفتاح مدروس على التمويل والاستثمار الخارجي، يقوم على الشفافية والحوكمة وحسن الإدارة، لا مجرد وسيلة للاقتراض بصيغة مختلفة. كما يمكن أن يكون خطوة ضمن رؤية أشمل لتطوير القطاع النفطي، وتعزيز تنافسيته، وتحقيق الهدف الإستراتيجي برفع إنتاج الكويت من النفط الخام إلى أربعة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2035، إلى جانب زيادة الطاقة التكريرية، وتحديث المصافي، وتوسيع الشراكات الاستثمارية بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ على الثروة النفطية للأجيال القادمة.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

naftikuwaiti@yahoo.com