تكثّف الولايات المتحدة مَساعيها لتوفير ظروف انطلاق المرحلة التجريبية من «الصيغة الإطار» التي تم توقيعها بين لبنان واسرائيل في واشنطن قبل 11 يوماً برعايةٍ أميركية، بالتوازي مع محاولتها إرساء اللجنة الناظمة لمسار وَقْفِ النار والتحقق من تطبيق التزاماتِ كل من بيروت وتل أبيب والتي تتمحور حول هدفيْ الانسحاب التدريجي للجيش الاسرائيلي واسمه الحَركي «إعادة الانتشار خارج الأراضي اللبنانية» وسحْب سلاح «حزب الله» بالتوازي.

وفي السياق، تترقب بيروت زيارة جديدة لقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، في ظل المعطيات التي أشارت الى أن «سنتكوم» ستترأس «مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان (MCG4L)» (تضم ممثلين عسكريين من الجيشين اللبناني والاسرائيلي) التي نص على تشكيلها البند الثاني من الملحق الأمني لـ «صيغة الإطار» الثلاثية وسبق أن تحدّث عنها عشية التوقيع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وإذ نقلتْ قناة «العربية» عن مصادر لبنانية، أن «سنتكوم ستعرض على المسؤولين تقريرها حول المناطق التجريبية»، مشيرة إلى عدم وجود «موعد لانسحاب إسرائيل» من تلك المناطق، فإن معلومات تحدثت عن مساعٍ للإسراع في تشكيل مجموعة التنسيق لإكمال أرضيةِ مواكبة التنفيذ والإشراف عليه، وخصوصاً في مراحله التي تَشمل «التطهير» من السلاح والمسلحين، و«التحقّق من ذلك» و«انتشار الجيش اللبناني» وضمان أن يمنع أي عودة لحزب الله الى المناطق «المرشّحة» للانسحاب منها، وسط تقارير عن أن الفريق الأميركي الذي سيكون بمثابة «الناظر» الميداني سيكون برئاسة قائد مشاة البحرية الأميركية في المنطقة الوسطى الجنرال جوزيف كليرفيلد الذي كانت بيروت تستعد لاستقباله.

وتشير أوساط سياسية إلى وجود مؤشراتٍ إلى أن جزءاً من الاعتبارات الحاكمة لتحديد موعد لبنيامين نتنياهو لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس دونالد ترامب يرتبط بملاقاة تل أبيب الإدارة الأميركية في إطلاق قطار الانسحابات التجريبية، التي ستَعْني إحراج «حزب الله» عبر تأكيد فاعلية «دبلوماسية التحرير» وفي الوقت نفسه وضْع مسألة سَحْبِ السلاح شمال الليطاني على السكة من خلال شمولِ إحدى البلدات الواقعة فيه بالمناطق التجريبية «الافتتاحية» (زوطر الغربية) إلى جانب بلدتين جنوب النهر (فرون والغندورية)، الأمر الذي سيشكّل اختباراً للحزب وسيَحشره في حال الإصرار على العرقلة، في زاوية التسبّب بتأخير إخراج اسرائيل من الأراضي المحتلّة وتالياً «التقاطع» مجدداً مع رغبتها في التنصّل من انسحابٍ تجرّعتْه على مضض.

من هنا يسود الترقّب لِما إذا كان الحزب سيسلّم بالانسحابِ من زوطر تمهيداً لدخول الجيش اللبناني أم سيُعْلي اعتبارَ سلاحه شمال الليطاني «عنواناً داخلياً» يُبتّ من ضمن استراتيجية دفاعية، وتالياً يترجم ما قاله عن أن السلطة اللبنانية التي وقّعت «الصيغة الإطار» لا تَمون إلا على الحبر الذي استخدمتْه، وذلك بما يُبْقي هذا الملف رَهْنَ المسار الإيراني وفق ما تصرّ طهران التي تدير مفاوضاتها مع واشنطن على قاعدة عدم التفريط بأوراق القوة التي تملكها وفي مقدّمها الحزب وترسانته وصولاً لإظهارها سلوكاً سافراً أقرب إلى مصادرة علنيةٍ لقرار السلم ومرتكزاته بعد تحكُّمها بقرار الحرب.

مسار السلام

وفي حين كان نتيناهو يبلغ الى قناة «فوكس نيوز» انه «لم يُحدَّد موعد لقائي مع ترامب وآمل أن أبحث معه في التقدّم بمسار السّلام مع لبنان»، ذكرت القناة الـ 13 أن الاجتماع الأمني الذي عقده مساء الأحد بحث نقطتي انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان والمصادقة عليهما وركّز على تحديد المناطق التي سيشملها الانسحاب، وآليات تنفيذ الخطوة، في ظل تنسيق مستمر مع جهات دولية، لا سيما الولايات المتحدة.

وبحسب هيئة البث الاسرائيلية فإن الاجتماع جاء «في وقت تواصل إسرائيل ولبنان، عبر وساطة أميركية، مناقشة الترتيبات الميدانية، بما يشمل تعريف «مناطق خالية من حزب الله»، بهدف تجنب الاحتكاك أو سوء التقدير خلال تنفيذ الانسحاب، موضحة«ان اتصالات بدأت بين ضباط من الجيش الإسرائيلي ونظرائهم في الجيش اللبناني، بتنسيق أميركي، بهدف تحديد معايير واضحة للمقصود بعبارة (منطقة خالية من حزب الله) تمهيداً لتنفيذ خطة انسحاب تجريبية من قريتين في جنوب لبنان».

من جهتها، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» ان إسرائيل تستعد لمغادرة منطقتين في جنوب لبنان وتنتظر إعلانا من الجيش اللبناني بأنه أصبح مستعداً، وموافقة سنتكوم للمضي قدما في تنفيذ«المشروع التجريبي» الذي ينص عليه اتفاق الإطار المبرم في 26 يونيو.

سلام وهيكل

وفيما استقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، قائد الجيش العماد رودولف هيكل «وجرى البحث في التحضيرات لتنفيذ الإطار المنبثق عن مفاوضات واشنطن، ولا سيما البدء بانسحاب إسرائيل من المناطق التجريبية»، شدد الرئيس جوزاف عون، على «أهمية عودة الجيش اللبناني على طول الحدود، والضغط على إسرائيل للانسحاب من المناطق التي تحتلها في لبنان، لأن بقاء الاحتلال يقوّض شرعية الدولة ويمنع انتشار الجيش، وأسس تحقيق السلام العادل والدائم».

وقال خلال اتصال مع «مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان» عبر تقنية الفيديو «إن خيار التفاوض كان الوحيد المتبقي بعد أن فشلت الحرب في تحقيق الأهداف التي أعلنت من أجلها»، مؤكداً أنه ما لم تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وإذا استمر التعنت الإسرائيلي في البقاء على هذه الأراضي، فإن الوضع لن يكون في مصلحة الأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة ولبنان بالنسبة إلى استعادة هذا البلد سيادته واستقلاليته وقوة مؤسساته.

وشدد على «أن على الإدارة الأميركية الضغط من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، لأنه مفتاح أي تقدم حقيقي وملموس وواقعي على مسار السلام في لبنان، وضمان الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية اللبنانية».

مجزرة

في موازاة ذلك، انطبع الميدان جنوباً بمجزرة ارتكبها الجيش الاسرائيلي وسقط فيها 4 ضحايا في استهداف مسيَّرة لسيارة على طريق النبطية الفوقا.

وأوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية «ان مديرة مدرسة يوسف شمون الرسمية في النبطية الفوقا اسبيرنزا غندور كانت مع والدتها ومخدومتها الاجنبية وعامل سوري يتفقدون منزل العائلة في النبطية الفوقا، وأثناء عودتهم شنت مسيرة معادية غارة بصاروخ موجه قرب دار المعلمين والمعلمات في النبطية الفوقا، ما ادى الى استشهادهم جميعا على الفور».

ولم تقلّ دلالةً في سياق متصل ملامح محاولة اسرائيل اللعب على التناقضات اللبنانية، من خلال ما أعلنه نتنياهو عن أن «هناك قرى مسيحية في لبنان بعضها طلب أن يُضم إلى إسرائيل لأننا نحميها من متطرفي حزب الله الذين يريدون قتْلهم، ونحن نفعل الشيء نفسه مع المسيحيين في كل مكان. ليس المسيحيون وحدهم في لبنان مَن يطلبون حمايتنا، بل الدروز والمسلمون السنّة، وعدد لا بأس به من المسلمين الشيعة أيضاً».

وبعد نفي بلديات 15 بلدة مسيحية حدودية في شكل قاطع ما قاله نتنياهو، مؤكدة أن أبناء هذه القرى متمسّكون بالدولة اللبنانية وشرعيتها، وجّه الجيش الإسرائيلي رسالة صوتية تحذيرية إلى عدد من هذه البلديات، دعا فيها السكان إلى منع عودة «غرباء» إلى قراهم، مع تهديدٍ بـ«عدم ضمان سلامة السكان في حال عدم الاستجابة لهذه التحذيرات، والاستمرار بالعمليات العسكرية في جنوب لبنان».

وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري أشاد بمضمون البيانات والمواقف التي صدرت عن رؤساء المجالس البلدية والفعاليات الروحية في القرى الحدودية ولا سيما المسيحية، مؤكداً «ان مواقف أبناء وفعاليات تلك القرى وصمودهم فيها وتمسكهم بأرضهم وهويتهم تعكس أصالة انتمائهم الوطني الأصيل التي لن يساوموا عليها تحت أي ظرف من الظروف». ونبّه «من مغبة الوقوع في الأكاذيب والأباطيل التي تروج لها المستويات السياسية الإسرائيلية التي تنطوي على أجندات فتنوية الهدف منها الإيقاع بين أبناء المناطق الحدودية».