... «السلام قيمة إنسانية مطلقة، وقاعدة عامة أراد الله أن تبنى عليها العلاقات بين الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وثقافاتهم وعقائدهم، وهو القيمة المطلقة التي تجعل الناس جميعاً أخوة في الإنسانية». بهذه العبارات إختزل عضو المكتب السياسي في «لقاء الهوية والسيادة» ومسؤول العلاقات العربية فيه عامر البحصلي مغزى المؤتمر الذي دعا اليه اللقاء وعنوانه «السلام حالة كيانية أم ثقافة واختبار؟».

فالبحصلي الذي يرى في السلام قيمةً ما فوق السياسة وصراعاتها، قال: «ان الله خلق الناس جميعاً من نفْس واحدة، لكنه خلقهم مختلفين، ومع هذا الاختلاف في الخلْق دعاهم إلى التعارف، إلا أن بعضهم ذهب بدلاً من التعارف إلى التقاتل عبر جعْل الاختلاف خلافاً».

وعلى عكس الاعتقاد ان الحرب يمكن ان تكون مدخلاً إلى السلام، حرص البحصلي على القول «ان التاريخ يعرف حروباً أودت بحياة الملايين وأبادت شعوباً وثقافات على قاعدةٍ خاطئةٍ بأن الحرب يمكن ان تفتح طريقاً إلى السلام»، مشدداً على أن للسلام مدخلاً واحداً هو احترام الإنسان وصون كرامته.

ولفت إلى «أن الاديان تلتقي على مفاهيم السلام بأبعادها الروحية وبأبعادها الإنسانية، وهو مدخل إلى الايمان المشترك بالله الواحد الذي استخلف الانسان لعمارة الأرض وليس لتدميرها، ولاحترام كرامة الانسان وليس لانتهاكها، ولإشاعة ثقافة المَحبة والاحترام على قاعدة احترام الاختلافات وليس لاحتكار الحقيقة. فالسلام هو الحقيقة المطلقة».

من هنا فإن مفهوم السلام بوصفه خياراً وطنياً وثقافةً لبناء الدولة، شكل محورَ المؤتمر الذي عقده «لقاء الهوية والسيادة» حيث جرى التأكيدُ على ثلاثة محاور رئيسية: البُعد الفكري والكياني للسلام، وكلفة غياب السلام على الاقتصاد اللبناني، ومتطلبات بناء دولة قادرة على حماية سيادتها وأمنها، انطلاقاً من قناعةٍ بأن السلامَ ليس حَدَثاً سياسياً عابراً، بل مشروعاً وطنياً طويل الأمد.

وبعد كلمات لرئيس اللقاء الوزير السابق يوسف سلامة، والخبير الإقتصادي ايلي يشوعي والعميد الركن المتقاعد نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار طوني أبي سمرا، صدرتْ مقرراتٌ دعت إلى «تعزيز الهوية اللبنانية الجامعة، وترسيخ حق الأجيال المقبلة بالاستقرار، والتأكيد على ان حصرية قرار الدفاع بيد الدولة، وبناء إطار دفاعي وطني يواكب حاجات لبنان، واعتماد الحياد بما يحفظ المصلحة الوطنية، وإطلاق مجلس وطني لتقييم كلفة النزاعات والفرص الضائعة، إلى جانب ورشة إصلاح سياسي وإداري، ومبادرات تربوية وثقافية وشبابية تعزز الحوار والثقة والمواطنة».

واختُتم المؤتمر بحوار خلص إلى مجموعة من الرسائل التي اختصرت مضمون المداخلات الثلاث:

  • في الورقة السياسية - الفكرية: السلام ليس هدنةً بين حربيْن، بل ثقافة تُبنى، وهوية تُصان، واختبار دائم لقدرة الدولة على حماية الإنسان.
  • في الورقة الاقتصادية: كلفة غياب السلام لا تُقاس بما خسره لبنان مادياً فحسب، بل أيضاً بما خسره من فُرَصٍ كان يمكن أن تَصنع مستقبلَه.
  • في الورقة الأمنية: السلام يحتاج إلى دولة قادرة، والدولة القادرة تحتاج إلى إطار دفاعي وطني يحمي الإنسان، ويصون الحدود، ويكرّس سيادة القانون على الجميع.

وأكد المشاركون أن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس مجرد تسوية سياسية، بل مشروع دولة متكامل، يَجمع بين السيادة والحرية، والتنمية والعدالة، ويعيد إلى لبنان دوره الطبيعي كمساحة لقاء ورسالة حضارية في محيطه العربي والمتوسطي.