على وقع الانكشافِ المتزايد لواقعِ أن مذكرةَ التفاهم بين واشنطن وطهران تسير على نهرٍ جليدي تذوب أجزاء منه مع كل مطبّ يضيّق هوامشَ المناورة أمام طرفيْه، تزداد محوريةُ المسرح اللبناني ولاسيما بعد مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل كأداة ضَغْطٍ متبادَلٍ، أميركيّ على إيران والعكْس، بعدما بات لبنان وكأنه «بلاد ما بين المساريْن» ساعياً إلى النفاذِ من شِباك «المصيدة» الإيرانية التي تصرّ على جعْله ورقة في جيْبها، وإلى تكريس «استقلاله الدبلوماسي» الذي عبّر عنه الاتفاقُ الإطاري الذي وُقّع في العاصمة الأميركية يوم الجمعة.
هكذا قرأتْ أوساطٌ واسعة الاطلاع المشهدَ اللبناني الذي دَخَل مرحلةً جديدةً بالكامل، بدا معها أن طهران و«حزب الله» وبعدما «تَجَرّعا» الاتفاقَ الإطاري الثلاثي بين بيروت وتل أبيب وواشنطن، انتقلا من «فورة» الاعتراض والغضبِ إلى تنظيمِ «الهجومِ المرتدّ» على ما وضعاه في ميزانِ مسار إيران الكبير واعتبراه محاولةً لتعطيل «القوة المعاكِسة» التي تريد «الجمهورية الإسلامية» أن تَستخدمها على طاولة مفاوضاتها مع الولايات المتحدة لتوسيع القدرة على المناورة والمقايضة.
وقد مضى «حزب الله» في «شيْطنةِ» الاتفاقِ وإن مع «تبريدِ» خيار الشارع تحت عنوان «لا نريد أبداً أن نوجِد أي مشكلة في الداخل اللبناني»، كما قال القيادي فيه محمود قماطي، بالتوازي مع ارتسام ملامح رفْع «سواتر ترابية» لمواجهةٍ سياسيةٍ - دستوريةٍ لنزْع المشروعية عن «الإطار الثلاثي» الذي قال عنه رئيس البرلمان نبيه بري «عشر مرات اتفاق 17 مايو (1983 بين لبنان وإسرائيل) ولا هيدا الاتفاق»، وتالياً محاولة نَصْبِ «كمين» له في مجلس الوزراء أو البرلمان، باعتبارهما وفق قريبين من الحزب ممراً لإضفاء الطابع الدستوري على الاتفاق، وفي ظلّ رهانٍ على إمكان الاستفادة من التموْضع «غير المهادِن» للزعيم الدرزي وليد جنبلاط، مع مرتكزاته لعدم توفير الأكثرية المطلوبة لإمراره في أي جلسة حكومية بحال جرى التسليمُ بالحاجة إلى مثل هذه الخطوة.
في المقابل، أعطتْ الدولة اللبنانية إشاراتٍ إلى ثباتها على مسار مفاوضات واشنطن وعلى بدء المراحل التنفيذية من الاتفاق الإطار الذي يتمحور حول الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بعد التحقق من استعادة القوات المسلحة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها ونزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكومية.
وفي الوقت الذي كانت الأنظار على إعطاء إشارة انطلاق الانسحاب التدريجي من المناطق التجريبية (المحتلة وغير المحتلة)، زوطر الغربية والغندورية وفرون، باعتبار أن نجاح الجيش اللبناني في تطهيرها من أي بنية عسكرية لـ«حزب الله» ومنع عودة مسلّحي الأخير إليها سيفتح الطريق أمام استكمال الحلقات المتسلسلة من هذا المسار غير المحكوم بجدول زمني، شكّلت زيارة قائد المنطقة الوسطى في الجيش الاميركي الادميرال براد كوبر، لبيروت آتياً من تل أبيب أولى الخطوات العملية للدفع ببنود الاتفاق نحو التنفيذ بدءاً من المناطق النموذجية، ووفق آلياتٍ ستشرف عليها الولايات المتحدة و«سنتكوم» وتفترض نوعاً من التنسيق الثلاثي بين أطرافه وذلك لضمان الترجمة العملية التي نصّ عليها ملحق أمني مازال في عِداد السرية.
وقد التقى كوبر، رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في حضور رئيس فريق «الميكانيزم» (اللجنة التي كانت مكلفة الإشراف على تنفيذ اتفاق 27 نوفمبر 2024 وتضم ايضاً اليونيفيل وفرنسا) جوزف كليرفيلد.
وبحسب الرئاسة اللبنانية، فقد تم خلال الاجتماع البحث في التحضيرات المتصلة ببدء تنفيذ اتفاق الاطار الذي تم إقراره نتيجة المفاوضات اللبنانية الاميركية الإسرائيلية في واشنطن.
وشكر عون، كوبر، على «الاهتمام الذي أبداه الرئيس دونالد ترامب، حيال لبنان لتحقيق الأمن والاستقرار فيه»، مؤكداً «تصميم الدولة اللبنانية على بسط سلطتها بواسطة قواها المسلحة حتى الحدود الجنوبية الدولية».
وكان كوبر، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل «وتناول البحث آخر التطورات في لبنان والمنطقة، وأهمية إنجاح آلية تنفيذ الملحق الأمني باتفاق الإطار، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون في المستقبل».
وأعرب هيكل، عن شكره للدعم الأميركي، مشدداً على «ضرورة استمرار التعاون بين الجيشين بما يحفظ أمن لبنان واستقراره».
وفي موازاة ذلك، بدا أن «الإطار الثلاثي» الذي رسم خريطة طريق نحو «اتفاقٍ شامل للسلام» وتَضَمّن بنوداً تشتمل على تشكيل فِرَقِ عمل مشتركة وصولاً لتحقيق كامل أهدافه الأمنية والسياسية، ووضْع آليات تنفيذية لوقف دائم للأعمال العدائية، يسلك مساره نحو مزيدٍ من التفعيل.
وفي الإطار، برز ما أكده مسؤول في الخارجية الأميركية لجهة «أن المحادثات بين لبنان وإسرائيل لاتزال مستمرّة برعاية واشنطن، مشيراً إلى أن الوفدين سيستأنفان اجتماعاتهما الثلاثاء لمواصلة العمل من أجل التوصل إلى اتفاق».
وقال المسؤول، في تصريحات نقلها مراسل العربية/الحدث، إن الولايات المتحدة تواصل تيسير المفاوضات، مضيفاً أن «الأطراف ستجتمع مجدداً غداً (اليوم)، لمواصلة العمل نحو التوصل إلى اتفاق».
وعلى وهج تقدّم «الخطوة خطوة» على صعيد الاتفاق الإطار الذي تدفع في اتجاهه الدولة اللبنانية، مدعومةً من العواصم الغربية والعربية، تحاول بيروت احتواء محاولة الثنائي الشيعي - حزب الله وبري - وضْع «الأَقفال» في طريق هذا المَسار وتكريس إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة مالِكة «المفتاح» لملف لبنان وانسحاب إسرائيل، وذلك انطلاقاً من تَحَكُّمها بسلاح الحزب ووجود قرار تسليمه أو عدمه في جيْبها، وهو ما يجعل الدولة اللبنانية صاحبة «الختْم» الرسمي في سحْب سلاح الحزب، وطهران المُمْسِكة بـ «الخاتمة» العملية لهذا العنوان.
وبعدما برز اتصالٌ أجراه رئيس الوزراء نواف سلام، ببري، حيث تشارك الرجلان «في الموقف من رفْض أي فتنة بين اللبنانيين، والعمل على التصدي لها، ورفْض تحويل أي خلاف سياسي مادة للانقسام الوطني والتفرقة»، أكد رئيس البرلمان لصحيفة «الأخبار» أن الفرصة الواقعية الوحيدة المتاحة أمام لبنان اليوم لانتزاع حقوقه وإلزام إسرائيل الانسحاب الكامل «تكمن في المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني»، باعتباره الإطار الوحيد القادر على إنتاج توازنات تفرض على الاحتلال تنفيذ التزاماته.
وحول ما يُتداول بشأن وجود توجه لإقالة قائد الجيش، أبدى بري، موقفاً حاسماً، قائلاً «لا يمزح أحد هذه المزحة، ولا يلعب أحد بالجيش»، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية «خط أحمر وتشكل أحد أعمدة الاستقرار الوطني والضمانة الأساسية لحماية السلم الأهلي».
ولم يحجب المسارُ الدبلوماسي بين بيروت وتل أبيب الأنظار عن الميدان حيث واصلت إسرائيل الخروق لوقف النار، مستفيدة مما تعتبره أنه حرية حركة ولا سيما داخل «الخط الأصفر» (المنطقة الأمنية) تتمتّع بها إلى جانب «حق إزالة التهديدات»، وكان جيشها دمّر في تفجير «زلزالي» ليل الأحد بنية تحتية لـ «حزب الله» في مجدل زون، عبارة عن ممرّ يزيد طوله على 200 متر وعمقه على 25 متراً، وأعلنت تل أبيب أنه يحتوي «على مئات الوسائل القتالية وعدد من فتحات الإطلاق المخصصة لاستهداف الأراضي الإسرائيلية ومواطنيها».
الاتحاد الأوروبي أقرّ 100 مليون يورو للقوات المسلحة اللبنانية
رحب الاتحاد الأوروبي بالاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، واعتبره «خطوة إيجابية وضرورية للغاية» في الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وإحلال السلام بين الجانبين، داعياً جميع الأطراف إلى تنفيذ التزاماتها، بما في ذلك من خلال مجموعة التنسيق العسكري الثلاثية التي أُنشئت بموجب الاتفاق.
وقال الناطق باسم السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي أنور العنوني، إن أي حل دائم للوضع في جنوب لبنان يجب أن يستند إلى التطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701، بما يشمل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية ونزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
كما أعلن أن الاتحاد الأوروبي أقرّ حزمة مساعدات بقيمة 100 مليون يورو لصالح القوات المسلحة اللبنانية، ضمن «مرفق السلام الأوروبي»، بهدف دعم جهود الحكومة اللبنانية في بسط سلطة الدولة وتعزيز قدرات الجيش.
وأضاف أن بروكسل تدرس أيضاً إطلاق بعثة ضمن إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة (CSDP) لتدريب وتجهيز الجيش اللبناني، مؤكداً استمرار التزام الاتحاد بدعم أمن لبنان واستقراره.