للمرة الأولى منذ انطلاق المفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية المباشرة في واشنطن في 14 ابريل الماضي، تترسّخ الأهميةُ الفائقة لهذا المسار الذي وُلد في إطارِ «تَزامُنٍ وانفصالٍ» مع طاولة اسلام اباد، قبل أن يدخل مع توقيعِ مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية وإدراج جبهة لبنان (ووقف القتال فيه) في فقرتها الأولى سِباقاً مع مفاوضاتِ الستين يوماً الرامية إلى بلوغ اتفاقٍ نهائيّ تريد طهران تحويلَه بمثابة توقيعٍ على «تلزيمها» ملف «بلاد الأرز» عبر جَعْلِ انسحاب تل ابيب من الجنوب اللبناني أشبه بـ «تحريرٍ» ثانٍ يُدوَّن «باسمها» وبما لا يكتب «سطر النهاية» لوضعية «حزب الله» العسكرية.
وفي وقت بدت المنطقةُ كما العالم في قَلْبِ «صندوقة أسئلةٍ» لا تنتهي حول «علبة الأسرار» المحتمَلة لمذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران التي وُقّعت عن بُعد ودخلتْ حيز التنفيذ، ليبدأ الاختبارُ الجدّي لأفقها مع انطلاقِ مفاوضات الـ 60 يوماً الشائكة والتي تزخر بـ «أزرار تفجير» عدّة، كثّف لبنان الرسمي تحضيراته للجولة الجديدة من مفاوضات واشنطن على المساريْن السياسي والعسكري، وهي الأولى التي تلتئم بعدما بات وَقْفُ النار بحُكْم المنجَز بضغط المسار الأميركي - الإيراني.
ورغم أن تل أبيب تَمْضي باستخدام الميدان في جنوب لبنان لتثبيت وقائع على الأرض، فإنّ أوساطاً سياسية تَرى أنّ الأيام المقبلة قد تحمل تعزيزاً لسيناريو أن يصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مُحاصَراً واقعياً بين «شرَّيْن» يتعيّن عليه اختيار أحدهما:
الأول، الانسحابُ من الجنوب، وسط إشاراتٍ إيرانية متكرّرة إلى أن خروجَ الجيش الإسرائيلي خلال مهلة الـ 60 يوماً المقبلة هو شرط لبلوغ أي اتفاق نهائي، ما يَعْني واقعياً تحويل هذه النقطة ورقة ضغط على واشنطن تَعتقد الجمهورية الإسلامية أن بإمكانها أن تَضمن لها صفقةً على قاعدة انسحاب تل أبيب وحزب الله من جنوب الليطاني ليبقى سلاح الحزب شمال الليطاني رهْن إطار بحثٍ في بيروت وليس على قاعدة التوازنات السياسية اللبنانية الحالية بل موازين القوى التي تظنّ أنها تصبّ لمصلحتها نتيجة خروجها من الحرب من دون أي خسارة إستراتيجية.
والثاني أن تنسحبَ إسرائيل «لمصلحةِ» مسار التفاوض مع الدولة اللبنانية الذي ترعاه واشنطن والمحكوم في جوْهره بقرار حصر السلاح بيد الشرعية وتفكيك ترسانة «حزب الله»، بما يقوّي موقفَ لبنان الرسمي ويَسْحب الذرائعَ من يد الحزب لتبرير بقاء سلاحه شمال الليطاني، ويقطع الطريقَ على استخدام إيران هذا العنوان ورقة ضغطٍ مزدوج على تل أبيب كما واشنطن، أي بما «يحرِّر» الرئيس دونالد ترامب، ويكرّس فصل المسارين اللبناني والإيراني لمرة واحدة وأخيرة.
وإذ لا يَسْقط من الحسبانِ بين «هذيْن الشرّيْن» لنتنياهو، أن يَعمد إلى اندفاعةٍ مفاجئةٍ أقرب إلى «الانتفاضةِ» على مذكّرة التفاهم ويكون مَسرحها لبنان، فإنّ ذلك سيَعْني وفق الأوساط السياسية «حَرْقَ المراكب» مع ترامب، وإدارته وهو ما يَصعب تصوّره في ضوء العزلة التي يعانيها نتنياهو، دولياً وعدم قدرته على خسارة «الظهير»، السياسي والعسكري، الأقوى والوحيد له.
وفي اعتقاد الأوساط نفسها أن الولايات المتحدة يمكن أن تستفيد من التوتر في العلاقة مع نتنياهو، ليكون هامش مناورة تستخدمه أمام طهران في ما خصّ ملف الانسحاب من الجنوب اللبناني باعتبار أن تل أبيب ليست أيضاً طرفاً في مذكرة التفاهم وشروط مفاوضات الـ 60 يوماً، وتالياً تعزيز مَسار مفاوضات واشنطن الذي أعطى ترامب، إشاراتٍ إلى أنه لم يتراجع عن سقفه المتمثل في سحب سلاح الحزب بالكامل، وفق ما عبّر عنه تلويحه المتكرر إلى مطالبة سوريا بالتدخل لمواجهة الحزب و«إنجاز المهمة»، وصولاً لإعلانه أن الرئيس جوزاف عون، سيزور البيت الأبيض خلال أسبوع أو أسبوعين وهو ما لا يمكن تفسيره إلا على أنه تكريس الرعاية الاستثنائية للمفاوضاتِ اللبنانية – الإسرائيلية.
ولم يكن عابراً توجيه واشنطن سلسلة رسائل إلى نتنياهو، بدت على طريقة «العصا والجزرة» على غرار مواقف ترامبأ الذي أبلغ إلى هيئة البث الإسرائيلية أنه «من المرجّح جداً أن أدعم نتنياهو، في الانتخابات، لكن أنتظر معرفة بقية المرشحين». وقوله «لدي علاقة جيدة مع نتنياهو، لكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر عقلانية (تجاه لبنان) وأنا مستعد للقائه».
فانس
أما نائب الرئيس جاي دي فانس، فبلْور أكثر ما تتوقع واشنطن من تل أبيب لجهة «ألا تقوم بأفعال مجنونة في لبنان»، وقوله «نتوقع من حزب الله وإسرائيل الالتزام بوقف النار»، مضيفاً «نتوقع من حزب الله ألا يطلق صواريخ ومسيرات على إسرائيل، ومن إسرائيل أن تكف عن العربدة في لبنان».
وشدد على أن «في أكثر من مرة كنا على وشك إنجاز شيء ما قبل أن تُقْدِم إسرائيل على قصف مكان ما في لبنان». وأكد أن «الهجمات على المدنيين في بيروت غير مقبولة. كثيرون لا علاقة لهم بحزب الله فقدوا حياتهم بسبب انفجار هائل في منطقة مأهولة في بيروت وهذا أمر غير مقبول».
ولفت إلى «أننا طالبنا بتنسيق أوثق مع إسرائيل لضمان عدم تكرار أي انفجار في منطقة مدنية مأهولة في بيروت»، و«رسالتنا للإسرائيليين وللجميع هي أننا نريد لعملية السلام هذه أن تكون في صالحهم»، مشيراً إلى أنه «يحق لإسرائيل أن تدافع عن نفسها لكن عليها أيضاً أن تحترم عملية السلام».
وأوضح أن «الرئيس ترامب، لا يسلب إسرائيل حقها في الدفاع عن النفس، ولا أحد يمكنه سلب دولة أخرى هذه الحق»، موضحاً أنه «إذا واصلت إيران تمويل منظمات إرهابية فسنعرف ذلك، وإن لم يلتزموا بالمتوقع منهم فسنعيد فرض العقوبات».
وفي وقت أكد نتنياهو «سنعيد الأمن للشمال وهذا يتطلب الحفاظ على المنطقة الأمنية في لبنان وعلينا ألا ننسحب من هناك»، موضحاً أنه «أمامنا تحديات إضافية تتطلب التمسك بالمصالح الأمنية والحفاظ على العلاقة مع أصدقائنا الأميركيين»، برز إعلان سفير إسرائيل لدى واشنطن يحئيل ليتر، الذي يشارك في المفاوضات مع لبنان «أن ما يثير قلقنا جداً، إلى جانب الصواريخ البالستية لإيران، شمول لبنان بمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، ويبدو أن هذا كان نتيجة إصرار طهران بسبب وكيلها حزب الله».
وقال «لا يمكن أن نقبل بهذا التنظيم الارهابي على حدودنا ولا بعشرات آلاف من مقاتليه الإرهابيين يحاولون التسلل إلى الشمال وإطلاق الصواريخ والمسيرات على مجتمعاتنا».
وأضاف: «نأمل ألا يُسمح لإيران بأن تفرض مستقبل لبنان، وهذا لأجل لبنان وإسرائيل».
وكان موقع «أكسيوس» نَقَلَ عن مستشار نتنياهو، أن تل أبيب لا تعتبر نفسها ملزمة بالجزء المتعلق بلبنان من مذكرة التفاهم. وأعلن أن رئيس الوزراء أبلغ ترامب، أن تل أبيب لن تنسحب من جنوب لبنان ما لم يتم نزع السلاح، قبل أن يؤكد مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قريب من نتنياهو لوكالة «رويترز» أن إسرائيل «تجري مفاوضات صعبة» مع واشنطن بشأن استمرار نشر قواتها في جنوب لبنان وأن الدولة العبرية لا تنوي التراجع عن مواقفها.
«منطقة أمنية»
ولم تتأخر إسرائيل في محاولة تكريس الأمر الواقع عبر إعلان جيشها عن خريطة انتشاره الميداني في جنوب لبنان، مشيراً إلى إنشاء ما اسماه «منطقة أمنية» داخل الأراضي اللبنانية بناءً على الحاجات العملياتية، معلناً أن عمق هذه المنطقة هو «نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية»، ومؤكداً «أن قوات جيش الدفاع متمركزة في مناطق عملها في جنوب لبنان، وتواصل نشاطها لإزالة التهديدات وتعزيز الحماية لسكان شمال إسرائيل».
وفيما نقلت القناة 12 عن مصدر «الجيش الإسرائيليّ يرفض الربط بين الساحات في مذكرة التفاهم ويسعى إلى توافقات سريعة مع لبنان»، أفادت هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن الجيش أن «الانسحاب من مواقع في لبنان سيُبحث مع الوفد اللبناني في واشنطن الأسبوع المقبل».
وأوردت الهيئة أن «خريطة الجيش تؤكد وجود القوات الإسرائيلية في تلال علي الطاهر وكفرتبنيت قرب النبطية».
الوفد المفاوض
في هذا الوقت، ترأس عون اجتماعاً ضم قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم وأعضاء الوفد العسكري والفريق الاستشاري المواكب للمفاوضات مع اسرائيل. وتم خلال الاجتماع تقييم التطورات الأخيرة في لبنان والمنطقة ومنها توقيع مذكرة التفاهم، والتحضيرات الجارية لعقد الجولة المقبلة من مفاوضات واشنطن، وزوّد عون الوفد المفاوض بتوجيهاته المرتكزة على ثوابت الموقف اللبناني «لجهة الوقف النهائي لاطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي التي تحتلها وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وعودة الاسرى اللبنانيين وإطلاق مسيرة الإعمار».
وكان عون أكد أمام وفد وزاري قطري وفرنسي وبريطاني ضم الوزيرة الفرنسية المنتدبة المسؤولة عن الفرانكوفونية اليونور كاروا، ووزيرة الدولة للتعاون الدولي في قطر مريم بن علي بن ناصر المسند ووزيرة التنمية البريطانية جنيفر شامبان «أن الاستقرار والأمن في لبنان مهمان ليس فقط للمنطقة ولكن لأوروبا أيضاً»، موضحاً «ان لبنان تكبد نتيجة الحرب الأخيرة ما يزيد على 3500 شهيد من بينهم 245 طفلاً، و11 ألف جريح. وما زال هناك عدد من الضحايا تحت الأنقاض، إضافة الى نحو مليون نازح من المناطق التي تعرضت الى العدوان».
وأضاف: «يوم 8 ابريل الماضي وحده شهد سقوط 300 شهيد في أقل من عشر دقائق. اما في ما خصّ الدمار الذي طال المباني السكنية والبنى التحتية، فحجم الأضرار طال نحو 68000 وحدة سكنية مدمرة بالكامل، إضافة الى تعرّض نحو 18 بالمئة من مساحة لبنان للأضرار الناجمة عن هذه الحرب، ونحو 277 بلدة وقرية تعرضت للاعتداءات او مسحت».
«حزب الله»
في المقابل، لفت رئيس كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب محمد رعد «نظر السلطة في لبنان إلى أن سقف الزمن المتاح أمام العدو للاندحار عن أرض لبنان بالكامل هو تمام الشهريْن، اللذين ينبغي عليه فيهما أن يلتزم التزاماً صارماً بوقف الأعمال العدائية بشكل كامل وأن يتهيأ ويباشر فيهما الانسحاب خلال ستين يوماً، من دون حاجة لأي تفاوض مباشر معه على الإطلاق».
وتابع «ما عدا ذلك، يمكن للسلطة بعد التوصل إلى تفاهم وطني وفق الاجراءات الميثاقية والدستورية والقانونية، اعتماد صيغة التفاوض غير المباشر مع العدو لإعادة تفعيل اتفاقية الهدنة بما يتناسب مع الواقع، وفي ظل استمرار حالة العداء المجمع عليها ميثاقيّاً ودستورياً».
وأعلن أن «المقاومة تنصح السلطة بعدم التوغل المباشر مع العدو الصهيوني في استهداف المقاومة، لأن ذلك ضدّ مصلحة لبنان واللبنانيين، وهي تؤكد استعدادها للتفاهم الوطني الداخلي حول ما يَضمن أمن واستقرار لبنان ومصلحته السيادية الوطنية».
وفي سياق غير بعيد، برز كلام كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف متوجّهاً «لمن كانوا يقولون لا غزة، لا لبنان»، أن «لبنان قدّم أكثر من 4 آلاف شهيد من أجل إيران أي أكثر من مجموع الشهداء الذين قدّمناهم طوال حربنا، وهم قاتلوا 104 أيام ونحن قاتلْنا 38 يوماً».