الحروب الكبرى لا تنتهي دائماً بصافرة معلنة، ولا بصورة جندي يرفع عَلماً فوق أنقاض مدينة. أحياناً تتوقف فقط، تخلع خوذتها موقتاً، وتجلس على طاولة تفاوض تحمل من الشك أكثر مما تحمل من الطمأنينة.

وما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران يبدو أقرب إلى هذا المشهد، حرب متوقفة، نعم... لكنها لم تنتهِ بعد.

فبحسب ما تم تداوله عن مسودة التفاهم التي كشفت بعض تفاصيلها تقارير دولية، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة من الصراع، مرحلة لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بحجم التنازلات الممكنة، والضغوط المؤجلة، والأسئلة التي بدأت تتسلل إلى الداخل الإيراني نفسه.

قد يبدو توقف المواجهة العسكرية خبراً مريحاً للعالم، خصوصاً بعد القلق الذي أحاط بمضيق هرمز، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية. لكن في السياسة، الهدوء لا يعني بالضرورة الاستقرار، بل قد يكون أحياناً إعادة تموضع قبل جولة أكثر تعقيداً.

ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش، الحديث عن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة. بالنسبة للبعض، قد يبدو الأمر طبيعياً في إطار تهدئة دولية، لكن داخل بعض الأوساط الإيرانية المحافظة والقومية، ظهر سؤال مختلف: هل خسرت طهران إحدى أهم أوراق الضغط التي كانت تملكها؟

فمضيق هرمز لم يكن مجرد ممر مائي، بل أداة ضغط جيوسياسي ذات أثر مباشر على الاقتصاد العالمي، وعلى الداخل الأميركي تحديداً، حيث إن أي اضطراب في الملاحة أو أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على المشهد الاقتصادي الأميركي.

ومن هنا، يرى بعض المنتقدين داخل إيران أن إعادة فتح المضيق دون مقابل واضح قد تعني تخفيف جزء من الضغط الاقتصادي عن الإدارة الأميركية، ومنح خصمها متنفساً كان يُفترض أن يبقى ورقة تفاوض.

الأكثر تعقيداً من ذلك، هو ما يتصل بالوعود الاقتصادية المرتبطة بالأموال الإيرانية المجمدة. فثمّة حديث عن آمال إيرانية بإمكانية الإفراج عن مليارات الدولارات المحتجزة، باعتبارها مدخلاً لتخفيف الاحتقان الاقتصادي الداخلي، وامتصاص حالة التذمر الشعبي المتصاعدة منذ سنوات.

لكن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية.

فداخل الخطاب الإيراني الناقد، لا يبدو القلق موجهاً نحو واشنطن وحدها، بل نحو بنية القرار الأميركي ذاتها.

فالرئيس الأميركي، مهما امتلك من صلاحيات تنفيذية، لا يحتكر القرار بالكامل، خصوصاً في ملفات العقوبات الكبرى والترتيبات المالية الحساسة، التي يبقى للكونغرس الأميركي دور مؤثر فيها. ومن هنا برزت تساؤلات متشائمة داخل إيران: ماذا لو قُدمت التنازلات، ثم اصطدمت الوعود الاقتصادية بجدار الرفض السياسي داخل المؤسسات الأميركية؟ ماذا لو تحولت الآمال إلى سراب سياسي جديد؟

هذا القلق لا يأتي من فراغ، بل من تراكم تجربة طويلة من الشد والجذب، والاتفاقات التي تبدأ بلغة المصالح ثم تنتهي عند تعقيدات السياسة الداخلية الأميركية.

أما الملف الأكثر حساسية، فهو ملف تخصيب اليورانيوم.

فالقراءة الأولية للمفاوضات تشير إلى أن واشنطن لا تسعى فقط إلى التهدئة العسكرية، بل إلى تقليص أو تجميد مستويات التخصيب المرتفعة، وإعادة ضبط المشروع النووي الإيراني ضمن سقف أقل قدرة على التحول إلى تهديد إستراتيجي.

وهنا تتعمق الأسئلة داخل إيران أكثر.

هل ما يجري إعادة ترتيب مرحلية تفرضها الضرورات الاقتصادية؟ أم تراجع اضطراري تحت ضغط الحرب والعقوبات؟ وهل القبول بخفض سقف التخصيب يُقرأ كبراغماتية سياسية تحفظ الدولة، أم كتراجع عن خطاب إستراتيجي تم بناؤه لعقود بوصفه جزءاً من السيادة الوطنية؟

الحقيقة أن الهزائم في عالم السياسة لا تكون دائماً عسكرية، كما أن الانتصارات ليست دائماً واضحة. فبعض الدول ينتصر ميدانياً ويخسر داخلياً، وبعضها ينجو من الحرب لكنه يدخل في معركة أشد قسوة مع المزاج الشعبي والأسئلة المؤجلة.

ولهذا، ربما يكون الوصف الأدق لما يحدث اليوم أن الحرب الأميركية - الإيرانية توقفت... لكنها لم تنتهِ.

توقفت في الفضاء، لكنها بدأت على الأرض. توقّفت بالصواريخ، وبدأت بالأسئلة. والأسئلة، حين تدخل إلى الداخل، قد تكون أكثر خطورة من أصوات المدافع نفسها.

X : jzabandr