البريطاني ديفيد هوكني

تصغير
تكبير

فقدنا في هذا الشهر الفنان الذي اشتهر بأعماله المضيئة ذات الألوان المتفوقة على الجرأة. سلاحه التقنية التكنولوجية ذات اللمسات الزيتية بطابع فوتغرافي، فقد نعته كبرى صالات الفنون العالمية وكبار الأسماء اللامعة في النقد الفني وأعلنوا بصوت واحد أن الجماهير التشكيلية في العالم كله والساحة الفنية فقدوا رمزاً تشكيلياً بارزاً وفي مقدمهم جلالة ملك بريطانيا العظمى تشارلز الثالث، مقدراً عطاءه الفني الذي وصفه جلالته بأن عطاء الفنان البريطاني ديفيد هوكني 1937 - 11 يونيو 2026 من القلة القليلة في الوسط التشكيلي العالمي، وأنا أتفق مع هذه المقولة كون الفنان هوكني، جمع بين الرسم بأسلوب واقعي بروح تصوري تكنولوجي بهر النقاد ورواد المتاحف والمعارض التشكيلية من الجمهور العالمي

هوكني، فنان بريطاني وجد في مدينة لوس أنجليس الأميركية ضالته التي يبحث عنها، الضوء والظل عناصر لوحاته الأساسية في أسلوب رسمه، أعطى زرقة المياه والسماء بصفة عامة اهتماماً كثيراً مستخدماً ألوانه النقية الصريحة خطاً فاصلاً بين رؤيته الفنية والواقع المنظور في الطبيعة.

رسم بمنظور الصقر سطح الماء، عكس بجدارة متميزة انعكاسات أشعة الشمس الساطعة في السماء، مشخّصاً قاع حوض حمام السباحة واستطاع أن يُرسل عبر تلك الانعكاسات الضوئية ضوءاً يجعل المتلقي يلبس نظارته السوداء ليحمي نظره من انعكاس شعاع الشمس على تموجات المياه كأن الصورة أصبحت حقيقة. نقل الجمهور المتلقي من قاعة العرض أمام لوحة مرسومة بمنظور عين الصقر إلى محيط حمام سباحة في واقع مفتوح. قليلاً ما نجد مَنْ يتقنه من فناني هذا العصر الفني.

رحل الفنان الإنكليزي عن عمر قارب 88 عاماً، قدم خلال العقود الستة مدرسة ممزوجة بالواقعية الأقرب إلى الكلاسيكية، دافنشي، أو جمالية السريالية التي اشتهر بها سلفادور دالي، وتفوّق على هنري ماتيس، في صراحته وجرأته اللونية وقدرته النادرة على أن يبقى وفياً لأساسيات الرسم والقيمة التشكيلية، منطلقاً برؤية متفتحة على كل ما هو جديد دون خوف أو تردد، فلم يبق أسير الواقعية القديمة ولا منجرفاً وراء العشوائية الحديثة لمجرد الحداثة دون أن يقدّم ملاحظاته الدقيقة للطبيعة الإنسانية ومحيطه البصري، فاستطاع الجمع بين مكونات البيئة الطبيعية وتناسق بنائه التشكيلي والإنسان بكونه كتلاً من التشريح المتناسق التكوين.

هذا هو الفنان ديفيد هوكني، الذي تغلّب على التكنولوجيا الرقمية مسخّراً المتاح له منها، كريشة يرسم بها أو ازميل ينحت به الصخر ليطوعه تمثالاً متكامل الأبعاد، أثبت بأعماله للعالم أن القدرات البشرية التي تعتمد على الحس الذاتي والخبرة الحياتية بإمكانها أن تطوي الحديد وتذيب جلاميد الصخر بقدراتها الحسية وتنتصر في الآخر على كل الإمكانيات المادية للآلة الرقمية.

عرفته في أميركا وتعلّمت منه الكثير وفهمت على قدري مدرسته الحديثة التي قدمها خلال ستين سنة من التجارب والدراسات الفنية المتواصلة دون انقطاع، هذا هو الفنان الذي فقدناه، وأخشى أن يُسدل الستار على مسيرة وتاريخ الفن التشكيلي الأصيل المتميز برحيل آخر المحاربين في ساحة الفنون الجميلة الأصيلة، أعزي نفسي وكل جمهوره المنتشر في العلم دون استثناء. وداعاً أيها الصديق الوفي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي