تزداد تعقيدات الوضع اللبناني في ضوء وقوعه على تقاطعاتٍ متصادمة، على ضفتيْ الحرب المتوازية على جبهتيْ إسرائيل - حزب الله وأميركا - تل أبيب مع إيران، كما الصراعات المتأجّجة على تخوم «اليوم التالي» بأبعاده الجيو - سياسية التي لا تقلّ فيها المنظومة الاقتصادية الجديدة التي تتم هندستُها أهميةً عن المنظومة الأمنية التي تَدخل في بنائها عِبَرُ المواجهةِ بين واشنطن وطهران التي اختارتْ الاندفاعةَ نحو اعتداءاتٍ غاشمة على دول الخليج العربي تحت عنوان «وبعدي الطوفان».

وبينما كان لبنان يقوّم تَبادُلَ رَسْمِ المعادلات بين طهران وتل أبيب على أرضه، من الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل شمال إسرائيل، إلى شمال الدولة العبرية مقابل عموم الجنوب اللبناني، وما تَسَبَّب به من «جولةِ نار» جديدة وسريعة على خط إسرائيل – إيران مرشَّحة لـ «مَلاحق» في ضوء رفْض بنيامين نتنياهو، القاطع أيّ تسليمٍ للجمهورية الإسلامية بتحديد قواعد الاشتباك مع «حزب الله» وعلى الجبهة اللبنانية في كلّيتها، بدتْ «بلاد الأرز» في قلْب هبّتين ساخنتيْن موازيتيْن:

- الأولى استعادة الرئيس دونالد ترامب، إستراتيجية «الضغط الأقصى» على إيران، وصولاً لـ «ميني حرب أباتشي» التي شنّها عليها، والتي توّجها برسالته الشديدة اللهجة والتي أوحى معها بأنه يضع الإصبع على زناد ضرب محطات طاقة وجسور فيها ما لم تسارع لتوقيع الاتفاق الإطاري بشروطه، وهو ما انطوى على إشارةٍ بأن ثمة «قراءة خاطئة» للإشاراتِ التي فُسِّرت على أنه ليس في وارد التصعيد مع الجمهورية الإسلامية عشية «المونديال» أو خلاله.

وهذه الإشارات، وفق أوساط سياسية في بيروت، هي التي جعلتْ إيران تتحدّى الدولة اللبنانية وتنفّذ هجمات على إسرائيل انتقاماً لضرب الضاحية الجنوبية وفي سياق إيحاءٍ بإيجادِ «قبّة حديدية» لحماية لبنان، وهي البروباغندا التي ثبُت عُقْمُها الردعيّ بدليلِ استمرار تل أبيب في عملياتها المكثّفة وبوتيرةٍ أعلى في جنوب لبنان حيث سَقَطَ 59 ضحية في آخر 24 ساعة، في ترجمةٍ لرفْض تل أبيب التسليمَ لطهران بفرْض معادلاتٍ، وصولاً لتذكير الدولة العبرية برسوخ «الضاحية مقابل الشمال» وفق ما عبّر عنه ما نقلتْه القناة 13 الإسرائيلية من «أن الجيش أوصى بتنفيذ ضربات مكثفة على بيروت رداً على أي إطلاق نار تجاه إسرائيل»، قبل أن يعلن رئيس الأركان إيال زامير «المحاولة الإيرانية لفرض معادلات جديدة ستفشل وسنواصل شن ضربات في العمق».

ووفق هذه الأوساط، فإن إيران وبإرسائها معادلات عسكرية تربط فيها جبهة الشمال الإسرائيلي بالضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني وجّهت رسالةً، برسم مسار واشنطن للمفاوضات بين بيروت وتل أبيب بأن الدولة اللبنانية لا تملك زمام التحكم والسيطرة على مسار الحرب ولا السلم، وأن «بلاد الأرز» تقع ضمن المدى الحيوي والإستراتيجي للجمهورية الإسلامية، وأن معادلاتِها هي التي تسري على الأرض، ما يكرّس ربْطَ أمنها الوطني بـ «وحدة الساحات» ولبنان بمسار إسلام أباد ومصيره وتالياً يرسّخ واقع «الضمّ» السياسي والعسكري للوطن الصغير عبر تجريد دولته ما توحي طهران بأنه قشورُ سيادتها، وهو ما عناه منشور سفارة إيران في بيروت وفيه صورة لخريطتها وفي وسطها خريطة لبنان مع عبارة «لبنان قلب إيران».

أردوغان ونتنياهو

- أما الهَبة الساخنة الثانية، فمستجدّة لجهة خروج «جمرها من تحت الرماد»، وتمثّلتْ في «المعركةِ الدبلوماسية» بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ونتنياهو، على خلفية كلام الأول عن «أن هجمات إسرائيل وشبكته الإجرامية على لبنان وسوريا بلغت حداً يهدد تركيا أيضاً، وأن العدوان الإسرائيلي يشكل تهديداً للعالم كله ويجب وقفه ولن نتسامح مع فرض الأمر الواقع في دول إخواننا»، ليردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن بلاده «ستواصل، عبر جيشها، العمل ضد إيران وحلفائها في المنطقة الذين يشكلون تهديداً للشرق الأوسط والعالم».

وبمعزل عما إذا كان لتركيا أدوات نفوذ في لبنان أم لا، ومدى تأثيرها في مجرياتِ الأمور، فإنّ هذا التطاحُن الدبلوماسي بين أنقرة وتل أبيب ووقوع «بلاد الأرز» في قلْبه، يؤشر وفق الأوساط السياسية إلى مخاوف مزدوجة:

من تَشظياتٍ لهذا الصراع على «اللوحة المرقّطة»، على قاعدة أن تَفتح الباب أمام موجات ضغط تصاعُدية من إسرائيل عبر ترامب، على القيادة السورية لإقحامها في حرب إسرائيل – «حزب الله»، وفق ما أشّر إليه أول تلميحٍ علني من الرئيس الأميركي قبل أيام بإمكان إدخال قوات سورية على خط التعامل مع الحزب، وذلك ما لم تنجح «الكيمياء الشخصية» بين الرئيسين التركي والأميركي ودور دول خليجية وازنة في فرملة مثل هذا السيناريو.

ولم تُخْفِ الأوساط نفسها، أن في خلفية هجومِ أردوغان على إسرائيل، إلى جانب الكباش الدائم حول سوريا وصراع النفوذ فيها، محاولة لقطْع الطريق على ما يشتمّ أنه مسارٌ مربوط بـ «حرب الممرات» الخفية وسط استشعارِ أنقرة بأن تل أبيب تريد منْعها من أن تكون «موْصولةً» باليوم التالي لإخمادِ حرائق الإقليم وممراته عبر مخططاتها لجنوب سوريا.

وعلى وقع هذه التعقيدات، بقي المشهدُ اللبناني على سخونته في الميدان حيث وسّعت إسرائيل استهدافاتها إلى البقاع بالتوازي مع غاراتها في النبطية وصور، في حين تقاطعت تقارير عند أن رئيس البرلمان نبيه بري، يقود مسعى لتعديل الإعلان الثلاثي اللبناني – الإسرائيلي – الأميركي الذي صدر عقب جولة مفاوضات 2 و3 يونيو والذي خلص الى اتفاق نار مشروط ومتدرّج، بحيث يتم بلوغ صيغة توفيقية وتوافقية يسير بها «حزب الله».

ووفق هذه التقارير فإن بري، الذي يرفض فكرة «المناطق التجريبية» التي تقوم على انسحابِ إسرائيلي من نقطة في جنوب لبنان ليَدخلها الجيش اللبناني ويفكّك بنية حزب الله العسكرية فيها ويمنع عودته إليه مع أن يرجع النازحون إليها ويعاد بناؤها، يصرّ على وقف شامل لإطلاق النار مع انسحاب متزامن من جنوب الليطاني لكل من الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» وبلا أي حرية حركة لإسرائيل.

ورأت مصادر مطلعة أن هذا الطرح الذي يَعْني عملياً تطبيق القرار 1701 واتفاق وقف النار لـ 27 نوفمبر 2024، وفق تفسير "حزب الله" له على أنه محصور بجنوب الليطاني، يَنْطوي على رفْضٍ لفكرة المناطق التجريبية بوصْفها تعبيراً عن انسحابٍ تدريجي تريد تل أبيب من خلاله إبقاء «ربط نزاعٍ» لأطول فترة مع سلاح الحزب شمال الليطاني والذي يصعب أن تسلّم إسرائيل بترْكه لديناميةِ حوارات لبنانية وآلياتٍ داخلية، تحت عنوان حماية الاستقرار أو سحب الذرائع، ولا حتى لعصا عقوباتٍ أو حجب تمويل إعادة الإعمار، بعدما أثبتت التجربة منذ 2006 أن مسألة ترسانة الحزب أكبر من أن يبتَّها إطارٌ لبناني.

وإذ ترى المصادر أن احتمالَ دخول جبهة إيران مرحلةَ «تنويم» عبر مفاوضات 60 يوماً تجرّ أخرى، تعزّز تمسك إسرائيل بالمناطق التجريبية، على قاعدة أنه لا يمكن تَصَوُّرُ بلوغ نهائياتٍ في ملف سلاح «حزب الله» ما دامت الجبهة الأمّ مازالت على أرض متحركة، تَعتبر أنّ تسليم الحزب إذا حصل بالانسحاب من جنوب الليطاني قبل رسو حرب إيران على خاتمة واضحة، ليس أمراً تفصيلياً لأنه سيعني واقعياً قفل «التماس» المباشر مع إسرائيل وإعلاناً ضمنياً بانتهاء الوظيفة الاقليمية للسلاح.

ووسط اعتقادٍ بأن "حزبَ الله" لن يمانع ترْكَ محاولة «تزامن الانسحاب وسحب السلاح» من الجنوب تأخذ مداها ليتظهّر رفضها أولاً من تل أبيب، سألت المصادر هل يمكن أن تكون واشنطن في وارد الضغط على نتنياهو، لانسحاب كامل مقابل جنوب الليطاني بلا سلاح، ومع احتفاظ إسرائيل ببعض النقاط الحاكمة، أم أن تبنّيها الصريحِ للمناطق التجريبية (كما عبر سفيرُها ميشال عيسى) يَعْني أيضاً ملاقاتها تل أبيب حتى النهاية في مقاربتها لكيفية «تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية» كما جاء في إعلان واشنطن، ومن دون أن يحجب ذلك الأنظار عن موقف لبنان الرسمي الذي لمّحَ لتأييده سَحْبَ الذرائع من الحزب بانسحابٍ من الجنوب على أن يُبت السلاح شمال الليطاني من ضمن إستراتيجية شاملة، يَدخل فيه أيضاً العامل الاقتصادي والاجتماعي والمالي وليس فقط العسكري.

لا للوصاية

وفي هذا الوقت، كرر الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون أنه «لا يمكن العيش خارج إطار الدولة، وهو ما أثبتته التجارب، وغير ذلك هو بمثابة خطيئة»، وغمز من قناة إيران ومواقف مسؤولين فيها هاجموه بعدما دعا طهران لوقف استخدام لبنان ورقة مساومة في مفاوضاتها مع واشنطن، مؤكداً أن «الهدف من المفاوضات في واشنطن استعادة الدولة لوجودها، بحيث لا يبقى اللبنانيون تابعين لأي كان، أكان من خلال سلطة وصاية او من خلال تَفاوض أحد باسمنا. فنحن أصحاب قرار ولبنان دولة ذات سيادة وبلد له كيانه ومقدراته، وممنوع العودة الى زمن الوصايات مهما كانت، ونحن نرحّب بمساعدة أي دولة، لكن الفارق كبير بين المساعدة والتدخل بالشأن الداخلي اللبناني لمصلحة أي دولة على حساب المصلحة اللبنانية، الأمر الذي لا نقبله».

وأضاف «هناك الكثير من الدول التي نرحب بمساعداتها من دول الخليج إلى الدول الأوروبية وغيرها، لكن شرطنا عدم التعاطي بشؤوننا الداخلية بهدف تحقيق مصالح هذه الدول الخاصة». وختم: «اتخذتُ قرار المفاوضات وسأكمل فيه حتى النهاية لأن لبنان هو عضو مؤسس في الأمم المتحدة وله كيانه وسيادته، وانطلاقاً من قناعتي في أن الحروب لا تحقق أي نتيجة إلا الخسارات التي يشترك فيها الجميع».

رسالة هيرتسوغ

في موازاة ذلك، وفي تطور غير مسبوق وجّه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ، رسالة باللغة العربية إلى الشعب اللبناني وقيادته، دعا فيها إلى السلام والحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله.

وقال «من الحدود الشمالية نمدّ يد السلام إلى رئيس لبنان والشعب اللبناني»، مشدداً على ضرورة أن يبقى لبنان «حرّاً من نفوذ إيران وحزب الله والتنظيمات الإرهابية»، وأن يحافظ على سيادته واستقلاله.

وأضاف أنه يحلم بزيارة بيروت، قائلاً «لدي حلم بالسفر إلى بيروت ومازال هذا الحلم قائماً، شرط أن يُصنع مستقبل لبنان في بيروت لا في طهران».