جنون الميزانية ونزيف العقول... هل تقود «وثيقة الـ850 ملياراً» إسرائيل إلى الهاوية؟
- هجرة العقول من «الوعد» إلى «الغرب... «انهيار صامت»
في خضم حربٍ على خمس جبهات، لا ينهار الاقتصاد الإسرائيلي فقط تحت وقع الصواريخ، بل تنزف عقول «أمة الاحتكار التكنولوجي» نحو الغرب في هجرة جماعية غير مسبوقة.
وثائق سرية إسرائيلية ومصادر أميركية ترسم لوحة قاتمة لكيان يواجه أزمة وجودية بامتياز: «جنون ميزانية حرب» قد تلتهم مستقبله، وعجز قياسي، ونزيف نخب يصفه الخبراء بـ«الموت البطيء لإسرائيل التكنولوجية».
عندما طلب نتنياهو المستحيل
في نوفمبر الماضي، بينما كانت الأنظار مشدودة إلى صفقة تبادل أسرى غزة، كان بنيامين نتنياهو، يعقد اجتماعاتٍ سرية حول «المفهوم الأمني الجديد». لكن ما قدّمه لم يكن خطة دفاع، بل «شيكاً على بياض»، كما يصفه المحلل العسكري سامي بيرتس، في صحيفة «هآرتس». العسكر أطلقوا عليها اسم «وثيقة نعم» - وكأن لا مجال للرفض.
الوثيقة، التي أعدها مجلس الأمن القومي واطلعت عليها صحيفة «هآرتس»، تضمنت قائمة مشتريات جنونية: أسراب طائرات، سفنا حربية، منظومات فضائية. عندما وضع المستشار المالي لرئيس الأركان الآلة الحاسبة، اكتشف الصدمة: 850 مليار شيكل (نحو 300 مليار دولار)، تُضاف إلى ميزانية الجيش الأساسية!
بيرتس، يصف الرقم بأنه «سخيف» لدرجة أن تمريره كان سيعني وقف كل مشاريع البنية التحتية وإلغاء ميزانية وزارة الصحة بالكامل. أمام هذه الصدمة، تراجع نتنياهو، إلى «خيار وسط» بقيمة 350 مليار شيكل، لكن المعركة الحقيقية مازالت مشتعلة.
الخلاف الجوهري الذي يكشفه بيرتس، يدور حول الأساس: الجيش يريد 120 مليار شيكل سنوياً للحرب (غزة، لبنان، سوريا، وإيران)، بينما تتمسك وزارة المالية بـ 70 ملياراً فقط (ما قبل السابع من أكتوبر 2023)، محذّرةً من أن هذا «اقتصاد صدمة» سيفجر الدين العام. وحتى الهدنة مع إيران لم توقف النزيف، بل أضافت 45 مليار شيكل إضافية لعام 2026 وحده.
انهيار استهلاكي فوري بنسبة 83 %!
لا تقتصر الكارثة على الميزانية، بل تمتد إلى الشارع الذي يعيش «رعباً اقتصادياً» فور إطلاق الصواريخ. تقرير مشترك في «يديعوت أحرونوت» يفضح هشاشة الاقتصاد.
شلل الاستهلاك: بمجرد إطلاق الصواريخ ليل الأحد، انهار النشاط الاستهلاكي بنسبة 83 % خلال دقائق، وفقاً لرئيس شركة «هايب» للتكنولوجيا المالية، إيال شيموني. الإسرائيليون توقفوا عن كل الإنفاق غير الضروري واكتفوا بتخزين الطعام.
عزل جوي خانق: شركات الطيران الكبرى، وعلى رأسها «ويز إير»، علّقت رحلاتها يوماً بعد يوم، ليعيد مشهد العزل الجوي إلى أيام كورونا، لكن هذه المرة بفعل الرصاص.
صدمة سوق الصرف: ارتفع الدولار بعنف ولامس حاجز الـ 3 شواكل، في رد فعل مباشر على هشاشة قطاع التكنولوجيا، قبل أن يتراجع بشكل طفيف مع بوادر تهدئة موقتة.
الأرقام تتحدث عن انهيار تاريخي: انكمش الاقتصاد بنسبة 3.3 % في الربع الأول من 2026، وتراجع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 4.7 %. هذا ليس انهياراً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمية لحرب تدمّر الاقتصاد من الداخل.
هجرة العقول
لكن الأخطر من العجز المالي هو ما تصفه الأوساط الأكاديمية بـ «الموت البطيء لإسرائيل التكنولوجية». معطيات دائرة الإحصاء المركزية التي نشرتها «هآرتس» تكشف حقيقة صادمة: للمرة الأولى منذ تأسيس الكيان، عدد المغادرين من حملة الشهادات العليا يفوق عدد الوافدين.
أرقام تنزف نخباً إستراتيجية:
- معهد «وايزمان» العريق: 23 % من حملة الدكتوراه غادروا.
- معهد «التخنيون» في حيفا: 18.2 % من نخبه هاجروا.
- تخصصات المستقبل: 25.4 % من دكاترة الرياضيات، 21.7 % من دكاترة علوم الحاسوب، و19.4% من دكاترة علم الوراثة — كلهم يغادرون إلى الولايات المتحدة وأوروبا.
هؤلاء العلماء، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لـ«إسرائيل التكنولوجية»، يهربون من جفاف التمويل الأوروبي بسبب المقاطعة الأكاديمية، ومن استنزاف الميزانية لصالح المستوطنات والجيش، بحثاً عن الاستقرار والتمويل البحثي في الغرب.
أميركا ليست «شريان حياة» مضموناً: 50 % من الدعم تبخر والكونغرس ينقسم
في خضم هذا الجنون، يظن نتنياهو، أن «اللوبي الصهيوني» سينقذه.
لكن وثائق الكونغرس تحكي قصة مختلفة. صحيح أن مجلس النواب وافق على تخصيص 500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي المشترك في 2026، لكن الدعم لم يعد مسلّماً به.
النائب الأميركي آل غرين من تكساس، أعلن رفضه التصويت لصالح دمج تمويل الجيش الإسرائيلي مع الجيش الأميركي، واصفاً ما يحدث في غزة بـ «جرائم حرب» بحق أكثر من 70 ألف شهيد.
هذا الانقسام داخل واشنطن يثبت أن شرعية الدعم المالي والسياسي لإسرائيل تهتز، والأصوات المطالبة بـ «فك الارتباط» تتصاعد.
على حافة الهاوية
بين «وثيقة الـ850 ملياراً» الجنونية، وهجرة العقول التي ترسم ملامح «شتات أكاديمي» جديد، واستهلاك ينهار عند أول صفارة إنذار، تقف إسرائيل على مفترق طرق وجودي.
الصيغة أصبحت قاسية وحاسمة:
إما وقف الحروب المدمرة والمجنونة لإنقاذ الاقتصاد والنخب، وإما التوسع في الاقتراض والجبايات لتمويل حرب استنزاف قد تُفقد «إسرائيل» جيلاً كاملاً من عباقرتها العلميين، وتنزع شرعيتها العالمية، وتحولها إلى كيان منبوذ يرتكب المجازر ويتوسع في أراضي جيرانه.