أكد معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أنه بعد انشغال الاهتمام الدولي والإقليمي بالحرب مع إيران، عاد قطاع غزة إلى واجهة التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي باعتباره الساحة التي مازالت تفتقر إلى تسوية مستقرة.

وأشار المعهد إلى أنه خلال فترة الانشغال بالحرب، استفادت حركة «حماس» من الفراغ السياسي والأمني لتعزيز قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها المدنية والعسكرية، مستفيدة من استمرار سيطرتها على أجزاء واسعة من القطاع ومن قدرتها على التحكم بجزء مهم من المساعدات الإنسانية والموارد الاقتصادية.

وفي المقابل، لم تنجح الجهود السياسية المطروحة لإنتاج نظام حكم جديد أو فرض ترتيبات أمنية مستقرة، الأمر الذي أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وأكد المعهد أن التصور المطروح لمستقبل غزة يقوم على فكرة مركزية تتمثل في نزع سلاح حماس تدريجياً مقابل إعادة إعمار القطاع وإعادة بناء مؤسساته. غير أن جوهر الأزمة يكمن في الفجوة العميقة بين الموقفين الإسرائيلي والحمساوي.

واوضح المعهد الإسرائيلي أن إسرائيل تطالب بنزع شامل وفعلي للسلاح قبل أي إعادة إعمار واسعة، بينما ترى حماس أن أي حديث عن نزع السلاح يجب أن يأتي بعد وقف العمليات العسكرية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء عملية إعادة الإعمار، مع احتفاظها بدور سياسي وإداري في القطاع. هذه الفجوة تجعل الوصول إلى اتفاق شامل أمراً بالغ الصعوبة.

ويشرح المعهد أنه في الخلفية، يواجه القطاع دماراً هائلاً. أكثر من 60 في المئة من الوحدات السكنية تعرضت لأضرار، ونزح نحو 1.9 مليون شخص، كما تضررت البنية التحتية الأساسية بشكل واسع.

وتقدر تكلفة إعادة التأهيل بأكثر من 70 مليار دولار، ما يجعل أي مشروع سياسي أو أمني مستقبلي مرتبطاً بشكل مباشر بملف إعادة الإعمار والتمويل الدولي.

أما السلطة الفلسطينية فتتبنى سياسة الانتظار والترقب. فهي تدرك حجم التحديات التي تحيط بإدارة غزة بعد الحرب، ولا ترغب في تحمل مسؤولية قطاع مدمر من دون ضمانات سياسية ومالية واضحة. كما تخشى أن يؤدي ظهور أطر إدارية بديلة في غزة إلى تقويض مكانتها مستقبلاً في الضفة الغربية.

يتابع المعهد أنه ضمن هذا المشهد، تبرز معضلة أساسية: جميع الأطراف الرئيسية تفضل، بدرجات مختلفة، استمرار الوضع القائم على المخاطرة بتسوية شاملة. إسرائيل تفضل الاحتفاظ بحرية العمل العسكري والمناطق الأمنية التي أنشأتها. وحماس تفضل الاحتفاظ بمناطق نفوذها وسلاحها بدلاً من المغامرة بعملية نزع سلاح قد تنهي دورها. أما السلطة الفلسطينية فتفضل الانتظار على تحمل أعباء إدارة القطاع. هذا التوازن السلبي يجعل الجمود خياراً مريحاً للجميع رغم أنه لا يقدم حلاً فعلياً.

ويرى المعهد أن الرؤية الأولى المطروحة في تطبيق خطة شاملة على كامل غزة تقوم على نقل السلطة إلى إدارة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة بقوات شرطة فلسطينية وقوة دولية للاستقرار، بالتوازي مع عملية نزع سلاح تدريجية وإعادة إعمار واسعة.

تتمتع هذه الرؤية بجاذبية سياسية لأنها تمنع الفراغ الإداري وتحظى بدعم دولي وإقليمي واسع. لكنها تواجه عقبة مركزية تتمثل في اعتمادها الكامل على موافقة حماس على التخلي عن قدراتها العسكرية.

كما يخشى صناع القرار الإسرائيليون من تكرار نموذج مشابه لـ «حزب الله» في لبنان، حيث يجري الإعلان عن نزع السلاح بينما تستمر البنية العسكرية الحقيقية بالعمل بصورة غير مباشرة.

أما الرؤية الثانية، وفق المعهد الإسرائيلي فتقوم على تقسيم القطاع فعلياً إلى مناطق مختلفة. في المناطق التي أخرجت منها «حماس»، يجري إنشاء نموذج حكم وإدارة جديد مع تسريع إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية. وفي المناطق التي مازالت تخضع لسيطرة حماس، يستمر الضغط العسكري والاقتصادي بهدف تقليص نفوذ الحركة تدريجياً.

الفكرة الأساسية هنا تقوم على خلق نموذج ناجح ومغري في المناطق المستقرة، بحيث يصبح سكان المناطق الأخرى أكثر ميلاً للانخراط فيه مع الوقت. لكن هذا النموذج يحمل أيضاً مخاطر كبيرة، أبرزها ترسيخ انقسام دائم داخل غزة، وتحول مناطق سيطرة الحركة إلى كيان سياسي وأمني مستقل بحكم الأمر الواقع.

أما الخيار الثالث فيتمثل في العودة إلى الحرب الشاملة وإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل.

يهدف هذا السيناريو إلى القضاء العسكري على حماس وتدمير بنيتها المسلحة بصورة كاملة.

غير أن هذا الخيار يحمل كلفة باهظة جداً. فهو يتطلب بقاءً عسكرياً طويل الأمد، وتحمل مسؤولية إدارة أكثر من مليوني فلسطيني، ويهدد بتفاقم العزلة الدولية، وزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية، وفتح الباب أمام استنزاف طويل يشبه المستنقعات العسكرية التي يصعب الخروج منها. لهذا السبب يجري النظر إليه بوصفه خياراً أخيراً وليس مساراً مفضلاً.

تكشف هذه الرؤى عن تحول مهم في التفكير الإسرائيلي. فالسؤال لم يعد يدور فقط حول هزيمة الحركة عسكرياً، بل حول كيفية إنتاج نظام سياسي وأمني جديد يمنع عودتها إلى موقع القوة.

لهذا السبب أصبح التركيز موجهاً نحو العلاقة بين إعادة الإعمار ونزع السلاح، وإلى استخدام المساعدات والموارد الاقتصادية باعتبارها أدوات ضغط سياسية وأمنية.

كما يبرز دور القوى الإقليمية، بوصفها جهات قادرة على المساهمة في تشكيل الترتيبات المستقبلية للقطاع.

وخلص المعهد الى أن التحدي المركزي في غزة يتمثل في إيجاد صيغة حكم جديدة تستطيع إدارة القطاع وإعادة إعماره ومنع عودة القوة العسكرية لحماس في الوقت نفسه.

ويظهر أن أخطر ما يواجه إسرائيل، من منظور هذا التصور، ليس فشل الحرب بحد ذاته، بل تحول الوضع الراهن إلى حالة دائمة تسمح للحركة بإعادة بناء نفسها تدريجياً تحت غطاء الأزمة الإنسانية وإعادة الإعمار، بما يجعلها تعود لاحقاً بوصفها القوة الحاكمة الفعلية في القطاع.